فهرس الكتاب
* وأما رأي الشيخ المفيد في حكم إيمان المقلد، وهو لا يبلغ في التشدد مبلغ ما ذهب إليه تلميذه المرتضى الذي سيأتي بيان حكمه بفساده وبطلانه على الإطلاق؛ فيمكننا استخلاصه من وقائع مناظرة جرت بين المفيد وأحد المعتزلة في زمانه، وقد أوردها المرتضى نفسه في «الفصول المختارة» من «العيون والمحاسن» للشيخ المفيد. وكان أصل الكلام في هذه المناظرة عن تَقِيَّةِ الإمام الغائب .. مِمَّنْ يَتَّقِي خلال فترة الغيبة؟ وعرض الكلام فيها عن التقليد فسأل المعتزليُّ عن حكم إيمان المقلد؛ فأجابه المفيد بأنه لا يذهب إلى أن جميع المقلدة كفار، وبين أنهم قسمان أو جماعتان: جماعة لم يُكَلَّفُوا المعرفةَ ولا النظرَ في الأدلة؛ لنقصان عقولهم عن الحد الذي به يجب تكليف ذلك، وإن كانوا مكلفين عنده للقول والعمل .. قال المفيد: «وهذا مذهبي في جماعةٍ من أهل السواد والنواحي الغامضة والبوادي والأعراب والعجم والعامة، فهؤلاء إذا قالوا وعملوا كان ثوابهم على ذلك كعوض الأطفال والبهائم والمجانين، وكان ما يقع منهم من عصيان يستحقون عليه العقاب في الدنيا وفي يوم المآب طول زمان الحساب، أو في النار أحقابا، ثم يخرجون إلى محل الثواب» .
وعلى هذا قال المفيد: «وذلك أن جماعة من معتقدي التشيع عندي غير عارفين في الحقيقة، وإنما يعتقدون الديانة على ظاهر القول بالتقليد والاسترسال، دون النظر في الأدلة والعمل على الحجة. ومن كان بهذه المنزلة لم يَحصُلْ له الثوابُ الدائمُ المُستَحَقُّ للمعرفةِ، والمانعُ بدلالةِ الخَبَرِ عن إيقاع كفرٍ من صاحبه يستحق به الخلود في الجحيم» .