فهرس الكتاب
وهذا يعني أنَّ المفيد يرى أنَّ المُقَلِّدَ الموافِقَ للحَقِّ يَنتَفِعُ بتقليده إذا كان عاجزا عن النظر والاستدلال؛ لكنَّ هذا التقليد لا يَجعلُه بمنزلةِ مَنْ نظرَ واستدل فعَلِمَ؛ لأنه لا يَعصِمُه من أن يُفتَنَ بشُبْهَةٍ تُعقِبُه كفرا يُخَلِّدُه في النار، وذلك لأنه إنما انتفع بالتقليد في العمل، ولم ينتفع به في العلم القاطع الذي إذا حصَّله المُكَلَّفُ فقد وجبَ أن يموت عليه؛ وَفْقَ ما يقوله القوم في «المُوافاة» [1] .
والجماعة الثانية كفار .. قال المفيد: «لأن فيهم من القوة على الاستدلال ما يصلون به إلى المعارف، فإذا انصرفوا عن النظر في طرقها؛ فقد استحقوا الخلود في النار» .
ويظهر أيضا من كلام المفيد في هذه المناظرة أنَّه يُفرِّقُ بين النظر الواجب على كُلِّ مُكَلَّفٍ وفنِّ المباحثة والمناظرة عند المتكلمين؛ فهو يرى أن طرق المعرفة قريبة يَصِلُ إليها كُلُّ من استعمل عقلَه، وإن لم يَتَمَكَّنْ مِن التعبير عن ذلك، ولَمْ يَسْهُلْ عليه الجدل؛ فإنه لا يمتنع أن يكون المُكَلَّفُ من أهل التحقيق في النظر دون الحِذق في الجدل، وإحاطة العلم بحدوده، ودون المعرفة بغوامض الكلام ودقيقه أو لطيفه؛ ففَقْدُ تحصيل هذا كُلِّه لا يلزم عنه فقد القدرة على تحصيل المعرفة أو العلم بالله ــ عز وجل [2] .
(1) - راجع المفيد: أوائل المقالات ـ ص 83 حيث يقول في بيانها: «إن من عرف الله ـ تعالى ـ وقتا من دهره، وآمن به حالا من زمانه؛ فإنه لا يموت إلا على الإيمان به. ومن مات على الكفر بالله ـ تعالى ـ فإنه لم يؤمن به وقتا من الأوقات» .
(2) - انظر المرتضى: الفصول المختارة من العيون والمحاسن ـ ص 112، 113.