الصفحة 47 من 1224

وفي «تصحيح الاعتقاد» عارض المفيدُ شيخَه الصدوق أبا جعفر بن بابويه القمي الذي ذهب إلى أن الجدال في الله منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى ما لا يليق به؛ اعتمادا على ما رواه من حديث الإمام الصادق ــ عليه السلام ــ: يهلك أهل الكلام، وينجو المسلمون.

فَبَيَّنَ الشيخُ المفيد أن الجدال على ضربين: أحدهما بالحق، والآخر بالباطل. وذكر أن الحق منه مَأمُورٌ به ومُرَغَّبٌ فيه، والباطل منه مَنهِيٌ عنه ومَزْجُورٌ عن استعمالِه. ثم استدل لذلك بجملة من آي القرآن الكريم، منها قول الله ــ تعالى ــ لنبيه ــ صلى الله عليه وآله وسلّم ــ: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } النحل/ 125. قال المفيد: «فأمر بجدال المخالفين وهو الحجاج لهم؛ إذ كان جدال النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلّم ــ حقا. وقال تعالى لكافة المسلمين: { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } العنكبوت/ 46. فأطلق لهم جدال أهل الكتاب بالحسن، ونهاهم عن جدالهم بالقبيح. وحكى سبحانه عن قوم نوح ــ عليه السلام ــ ما قالوه في جدالهم فقال سبحانه: { قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } هود/ 32. فلو كان الجدال كله باطلا لما أمر الله تعالى نبيه ــ صلى الله عليه وآله وسلّم ــ به ولا استعمله الأنبياء ــ عليهم السلام ــ من قبله، ولا أذن للمسلمين فيه» [1] .

وأما الجدال بالباطل؛ فذكر الشيخ المفيد أن الله ــ تبارك وتعالى ــ بيَّنَ حكمه في قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ } غافر/ 69. قال المفيد: «فذم المجادلين في آيات الله لدفعها أو قدحها وإيقاع الشبهة في حقها ...

(1) - المفيد: تصحيح الاعتقاد ـ ص 68، 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت