فهرس الكتاب
* وهذا كلام حاول الشيخ الطوسي أن يسوغ به مذهبه الجديد؛ فلم يكن شيخه المباشر الشريف المرتضى يقينا على ما وصف فيما ذهب إليه في رسالته «مسألة في إبطال العمل بخبر الآحاد» ؛ حيث صرح بأنه لا خلاف بين كل من أوجب العمل بخبر الواحد في اشتراط كون راويه عدلا، ثم بين أن العدالة عندهم تقتضي أن يكون الراوي معتقدا للحق في الأصول والفروع، وغير متظاهر بشيء من المعاصي والقبائح. وبنى على ذلك تعذر العمل بشيء من أخبار الآحاد؛ لأن معظم الفقه وجمهوره؛ بل جميعه لا يخلو مستنده مما يروى في كتبهم عن الواقفة على جده موسى الكاظم بن جعفر الصادق، الذاهبين إلى أنه المهدي، وإلى تكذيب من جاء بعده من الأئمة، ويروى عن الغلاة من أمثال الخطابية وغيرهم، ويروى عن القُمِّيِّين المعتقدين للجبر والتشبيه .. قال: «وإن القُمِّيِّين كُلَّهم من غير استثناء لأحد منهم؛ إلا أبا جعفر بن بابويه ــ رحمة الله عليه ــ بالأمس كانوا مُشَبِّهَةً مُجْبرَةً، وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به؛ فليت شعري أي رواية تخلص وتسلم من أن يكون في أصلها وفرعها واقفٌ، أو غالٍ، أو قُمِّيٌّ مُشَبِّهٌ مُجْبرٌ؟! والاختبار بيننا وبينهم التفتيش ...
وفي رواتنا ونقلة أحاديثنا من يقول بالقياس، ويذهب إليه في الشريعة، كالفضل بن شاذان، ويونس، وجماعة معروفين، ولا شبهة في أن اعتقاد القياس في الشريعة كفر لا تثبت معه عدالة؛ فمن أين يصح لنا خبر واحد يروونه ممن يجوز أن لا يكون عدلا؟! ...
وليس يلزم ما ذكرناه على أخبار التواتر؛ لأن الأخبار المتواترة لا يشترط فيها عدالة رواتها؛ بل قد يثبت التواتر، وتجب المعرفة برواية الفاسق؛ بل الكافر؛ لأن العلم بصحة ما رووه يبتنى على أمور عقلية تشهد بأن مثل تلك الجماعة لا يجوز عليها [الكذب] ، وهي على ما هي عليه» [1] .
(1) - المرتضى: رسائل الشريف ـ 3/310: 312.