الصفحة 50 من 1224

وذكر المفيد بعد ذلك أن الذاهب إلى إبطال النظر شاهد على نفسه بضعف الرأي وقصور المعرفة، ثم بين أن النظر غير المناظرة، وأنه قد يصح النهي عن المناظرة للتقية وغير ذلك، ولا يصح النهي عن النظر .. قال: «لأنَّ في العدول عنه المصيرَ إلى التقليد، والتقليد مذموم باتفاق العلماء ونص القرآن والسنة. قال الله ــ تعالى ــ ذاكرا لمقلدة من الكفار وذاما لهم على تقليدهم: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ } الزخرف/ 24، 25. وقال الصادق ــ عليه السلام ــ: ... إياكم والتقليد؛ فإنه من قلد في دينه هلك. إن الله ــ تعالى ــ يقول: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا } التوبة/ 30. فلا والله ما صَلُّوا لهم ولا صاموا؛ ولكنهم أحَلُّوا لهم حراما وحَرَّموا عليهم حلالا فقلدوهم في ذلك فعبدوهم وهم لا يشعرون.

ولو كان التقليد صحيحا والنظر باطلا؛ لم يكن التقليد لطائفة أولى من التقليد لأخرى، وكان كل ضال بالتقليد معذورا، وكل مقلد لمبتدع غيرَ موزورٍ، وهذا ما لا يقوله أحد؛ فعلم بما ذكرناه أن النظر هو الحق، والمناظرة بالحق صحيحة، وأن الأخبار التي رواها أبو جعفر ــ رحمه الله ــ وجوهها ما ذكرناه، وليس الأمر في معانيها على ما تخيله فيها» [1] .

وذهب الكراجكي إلى أنه يجب على العاقل أن لا يقنع بالتقليد في الاعتقاد، وأن يسلك طريق التأمل والاعتبار؛ فلا يكون نظره لنفسه في دينه أقل من نظره لنفسه في دنياه، خاصة أن الغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا [2] .

* وفي بيان حقيقة العلم قال الشيخ المفيد: «هو الاعتقاد للشيء على ما هو به، مع سكون النفس إليه» .

(1) - المفيد: تصحيح الاعتقاد ـ ص 72، 73.

(2) - انظره: كنز الفوائد ـ 1/ 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت