الصفحة 51 من 1224

والشيء هو الموجود، وهو ما صح التأثير به وفيه [1] .

أما سكون النفس؛ فهو معنى يحصل للقدرة على نفي الشُّبَه التي يمكن أن ينتفي بها الاعتقاد الذي ثبت بالنظر والحجة، أو يتقوى بها ضده. فإن قيل له: يجب على هذا الأصل أن يكون كل عالم عارفا معتقدا. قال: «لا يجب ذلك؛ لأنه ليس حَدُّ العالم أن يكون له علم، وقد يكون عالم مستغنيا عن معنى يعلم به» [2] .

ولهذا الجواب فيما أرى علاقة بمذهبه في صفات الله ــ تعالى ــ التي لا ترجع عنده إلى معان تقوم بالذات الإلهية؛ لأن المعرفة ما حصل من العلم بعد جهل، والاعتقاد قد يكون جهلا أو تبخيتا [3] ، وكل ذلك يرجع إلى حصول معانٍ في المُحدَثين توجب كونهم عارفين أو معتقدين. ولو كان كل عالم عارفا معتقدا؛ لكان عالما لمعنى هو علم يقوم به، وهذا خلاف ما يعتقده المفيد وتلاميذه فيما يستحقه الله ــ تعالى ــ من الصفات لنفسه.

(1) - يلاحظ هنا موافقة المفيد للأشعرية والماتريدية في حد الشيء بأنه الموجود؛ خلافا للقائلين بشيئية المعدوم من المعتزلة. وهذا أمر حرص المفيد غير مرة على تأكيده في مواضع الخلاف بين طائفته والمعتزلة، وتبعه على ذلك تلميذه الكراجكي .. راجع المفيد: أوائل المقالات ـ ص 98. وراجع له: الحكايات في مخالفات المعتزلة ـ ص 54، 55. وراجع الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 125، 126 في كلامه عن أغلاط المعتزلة.

وموافقة المفيد للأشعرية والماتريدية في حد الشيء بأنه الموجود أدت إلى تأكيد اعتراضهم على حده للعلم بأنه «الاعتقاد للشيء على ما هو به، مع سكون النفس إليه» ؛ بأن ذلك يخرج المعدوم من حد المعلوم، وسيأتي تفصيل ذلك في المقارنة.

(2) - انظر المفيد: النكت ـ ص 22، 27.

(3) - واعتقاد التبخيت في عبارات المتكلمين هو: «الاعتقاد الواقع على سبيل الابتداء من غير نظر في شيء» .. ذكره ناصر الدين بن المطرز (ت610هـ) في «المُغْرِب في ترتب المُعْرِب» ـ 1/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت