الصفحة 52 من 1224

ويتعلق ببيانِ حقيقة العلم عند المفيد بيانُ عدد من المفاهيم؛ مثل: الجهل الذي هو الاعتقاد للشيء على غير ما هو به. واليقين الذي هو قطع النفس على ما تَبَيَّنَتْهُ ووضَحَ لها. والشك الذي هو توقف النفس فيما عريت من اعتقاده على ما هو به، وعلى غير ما هو به. والحق الصحيح: هو ما عَضَدَ مُعْتَقِدَهُ البرهانُ. والباطل الفاسد: هو ما خَذَلَ مُعْتَقِدَهُ البيانُ [1] .

وأحسب أن كلام المفيد عن الحق والباطل يرجع إلى مسألة انتفاء المدلول لانتفاء دليله، التي تكلم عنها شيخنا الأستاذ الدكتور حسن الشافعي باعتبارها إحدى صور الاستدلال الكلامي المشهورة، فذكر مما بَيَّنَهُ سيف الدين الآمدي أنها مبنية على عكس الدليل العقلي الذي ينبغي أن يكون مطردا؛ فالمدلول الواحد قد يدل عليه أكثر من دليل، ولو لزم انتفاء المدلول عند انتفاء واحد منها؛ لما لزم من باقي الأدلة الصحيحة وجود المدلول، ولخرجت من كونها أدلة لعدم اطرادها. كما وضَّح أن فكرة وجوب انعكاس الأدلة فقهية في الأصل قال بها بعض علماء أصول الفقه.

أقول: والأصل في ثبوت أحكام الأعمال الشرعية وجود الدليل الصحيح، وإن لم يكن؛ انتفى المدلول.

وذكر أستاذنا أن بعض المعتزلة التزم أن الدليل على كون الواحد منا عالما بعلم هو جواز ذلك في حقنا، وأن ذلك منفي عن الله ــ تعالى ــ لعدم جواز ذلك في حقه، ومعنى ذلك: القول بانتفاء المدلول لانتفاء دليله. ثم ذكر أن الآمدي قد أخذ على الباقلاني والجويني الاعتماد على هذه الدلالة في محاولة إثبات جواز الرؤية؛ إذ لا دليل على استحالتها، وقال: «يجوز أن يكون المدلول متحققا، وإن لم يخلق الله ــ تعالى ــ دليلا عليه» [2] .

(1) - انظر المفيد: النكت ـ ص 23: 25.

(2) - انظر الدكتور حسن الشافعي: المدخل إلى دراسة علم الكلام ـ ص187، 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت