الصفحة 500 من 1224

* ولئن انفرد الاثنا عشرية بقولهم في «الإجماع» : إنه لا مدخل لاتفاق المجمعين كثروا أو قلوا في الحجية الثابتة، لأنها متعلقة فقط بقول المعصوم الذي يتضمنه الإجماع؛ فإن هذا القول عينه قريب من كلام الإمام ابن حزم الظاهري من جهة الرجوع بحجية الإجماع إلى حجية النص الثابت المجمع عليه، والقول بأن النص بعد ذلك بنفسه حجة سواء تعلق به الإجماع أو لم يتعلق. وأحسب أن تعلق ابن حزم بظاهر النصوص، وتعلق الاثناعشرية بالإمام ــ كان لهما دور في اتفاقهما على نفي القياس في معرفة أحكام الشريعة ..

والإمام ابن حزم يرى أن الإجماع جملة لا يخلو فيما يعقل منه من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها بضرورة العقل عنده: الأول: أن يجمع الناس على ما لا نص فيه، وهذا عنده باطل محال وجوده؛ لصحة وجود النصوص في كل شيء من الدين. والثاني: أن يجمع الناس على خلاف النص الوارد بنسخ أو تخصيص له وردا قبل موت رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهو يرى أن القول بهذا كفر مجرد. والثالث: أن يجمع الناس على شيء منصوص، وهذا هو الإجماع الذي يصححه ابن حزم .. قال: «فاتباع النص فرض سواء أجمع الناس عليه، أو اختلفوا فيه. لا يزيد النص مرتبة في وجوب الاتباع أن يجمع الناس عليه ولا يوهن وجوب اتباعه اختلاف الناس فيه؛ بل الحق حق وإن اختلف فيه، وإن الباطل باطل وإن كثر القائلون به. ولولا صحة النص عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ بأن أمته لا يزال منهم من يقوم بالحق ويقول به؛ فبطل بذلك أن يجمعوا على باطل؛ لقلنا: والباطل باطل وإن أجمع عليه. لكن لا سبيل إلى الإجماع على باطل.

قال أبو محمد: فإذا كان الأمر كذلك فإنما علينا طلب أحكام القرآن، والسنن الثابتة عن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ إذ ليس في الدين سواهما أصلا، ولا معنى لطلبنا هل أُجمع على ذلك الحكم أو هل اختلف فيه؛ لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق» [1] .

(1) - ابن حزم: الإحكام ـ 4/ 535، 536.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت