الصفحة 502 من 1224

أولها: الكلام عن صفة المجمعين وعددهم. وأهل الإجماع عنده هم المجتهدون المفتون، دون من سواهم من العوام المقلدين، ومن حصلوا من العلم أطرافا لا تبلغ حد الخروج عن رتبة التقليد في فروع الدين؛ فهؤلاء لا يعتبر خلافهم ولا يؤثر وفاقهم؛ إذ لا توجد عنده رتبة وسط بين المُقَلِّد ومن يُقَلَّد. وبين خلافه للقاضي الباقلاني الذي عد المتصرفين المتبحرين في معرفة الأصول الذين لم يبلغوا ذروة الفتوى في زمرة من يعتد بوفاقهم وخلافهم في الإجماع [1] . ومن الطريف أن الجويني مع تشدده في ضبط صفات أهل الإجماع من جهة العلم اعترض قول جمهور الأصوليين بمنع اعتبار وفاق العالم المجتهد الفاسق وخلافه في الإجماع؛ لأنه ليس من أهل الفتوى، وإن كان اعتراض الجويني شكليا فقط؛ لأنه اعتبره في النهاية كالعالم الغائب الذي إذا حضر روعي قوله، وكذلك المجتهد الفاسق إذا تاب ورجع عما فُسِّقَ به؛ روعي قوله. وقال في صاحب البدعة: «والمبتدع إن كفرناه؛ لم نعتبر خلافه ووفاقه، وإن لم نكفره؛ فهو من المعتبرين إذا استجمع شرائط المجتهدين، وقد قبل الشافعي شهادة أهل الأهواء، ولم ينزلهم منزلة الفسقة» [2] . وأيما كان الحكم في ذلك فهو يبين الموقف من المخالف خلافا لا يبلغ حد الكفر والخروج عن الملة؛ فالكلام هنا عن جواز تقليد العالم المجتهد إن كان على بدعة، وإن لم يجز تقليده على ما هو فيه منها؛ فليس هناك ما يمس تقدير مكانته العلمية، ولا حرمته الدينية ..

(1) - راجع الجويني: البرهان ـ 1/ 439: 441.

(2) - السابق ـ ص 442.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت