الصفحة 504 من 1224

والثاني: في الزمن المعتبر فيه الإجماع. والكلام في هذا منحصر في حكاية الإجماع عمن انقرض من أهل العلم المتوفرة فيهم الشروط، أو يجوز اعتبار الإجماع قبل انقراض أهله مع مظنة رجوع بعضهم عما ثبت وفاقه فيه؛ فتعود المسألة نزاعية بعد أن كانت إجماعية. وقد ذكر الجويني قول القاضي الباقلاني بحجية «الإجماع» متى انعقد، وأن المخالف بعد ذلك مخالف للإجماع وخارج عن ربقة الوفاق. وذكر قول الأستاذ أبي إسحاق وطائفة من الأصوليين في الفصل بين «الإجماع القولي» الذي لا يشترط فيه الانقراض، و «الإجماع السكوتي» الذي اشترطوا في انعقاده انقراض عصر المجمعين خليا عن إظهار الإنكار. والجويني نفسه اختار أن الإجماع على قسمين: أحدهما مقطوع به وإن كان في مظنة الظن. والثاني حكم مطلق أسنده المجمعون إلى الظن قال: «فأما ما قطعوا به على خلاف موجب الاعتياد؛ فتقوم الحجة به على الفور بغير انتظار واستئخار؛ فإنا أوضحنا أن ذلك إذا اتفق فهو محمول على رجوعهم إلى أصل مقطوع به عندهم، وتقدير خلاف ذلك مخالف لموجب طرد العادة، والعادة لا تنخرق لا في لحظة ولا في آماد متطاولة. وإن اتفقوا على حكم وأسندوه إلى الظن؛ فلا يتم الإجماع ولا ينبرم مع إسنادهم ما أفتوا به إلى أساليب الظنون، ما لم يتطاول الزمن؛ فإن الإجماع على الحكم مع الاعتراف بالتردد في الأصل لا يعد إجماعا وإطباقا» . والمعتبر في القسم الثاني عند الجويني تبين إصرار المجمعين على الوجه المظنون فيما أجمعوا على حكمه؛ فمن ثم قال بعد ذلك: «فلو قالوا عن ظن؛ ثم ماتوا على الفور ...؛ فلست أرى ذلك إجماعا من جهة أنهم أبدوا وجها من الظن، ثم لم يتضح إصرارهم؛ فهذا هو المغزى» . والمعتبر في الزمان المطلوب انتظاره في انعقاد هذا القسم من الإجماع، هو القدر الذي «لا يفرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأي إلا عن حامل قاطع أو نازل منزلة القاطع على الإصرار» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت