ب ــ وجاء أبو الفتح الكراجكي فَفَصَّل كلام شيخه المفيد عن الزيادة والنقصان في الدلالة على حدوث العالم وأن جميع الحوادث الماضية لا بد لها من أوَّل، في الرد على الدَّهرية القائلين بقدم الصنعة والصانع؛ فقال: «إننا في كل وقت من أوقات زماننا بين آخر ما فيها وأول مستقبلها، فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى وهو أحد طرفيه، ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة سنة يكثر عدد الماضي ويزيد فيه؛ فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت الزيادة إليه. وهذا يدل على تناهي عدد ما مضى وحصر طرفيه؛ لأنه لو كان لا نهاية له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه» .
فإذا قال له معارض: «إن جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل؛ لأنكم تقولون: إن أفعال الله ــ تعالى ــ المستقبلة لا آخر لها. ومع هذا فقد علمتم أولها وهو أحد طرفيها؛ فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص منها. وإذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها وانحصار طرفيها» . فجواب الكراجكي: أنَّ بين الماضي والمستقبل في ذلك فرقا، وهو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مُضِيِّه، فقد شَملَ جَميعَها حُكمُ الوجود؛ فوجب أن يزيد فيها كُلُّ ما يَخرُجُ إلى الوجود. وليس المستقبل كذلك لأن حوادثه لم توجد، وإنما هي في إمكان الفاعل؛ فلا يصح فيها النقص، ولا سبيل إلى القول فيها بالتناهي [1] .
وكرَّر الكراجكي صورة دلالة التناهي على حدوث العالم في عدد ما مضى من الأيام والليالي، فقال: «لا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي، أو تكون الليالي أكثر من الأيام، أو يكونا في العدد سواءً.
(1) - انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 35. وذلك لأن الكلام فيما يكون في المستقبل من الحوداث كلام في معدوم لم يوجد؛ فلا يتصور فيه نقص ولا زيادة، بخلاف الماضي الذي وجد بالفعل؛ فيزم حصره وعده كما يتم حصر وعد كل ما نراه موجودا ..