فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي؛ لأنها أقل منها، واقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها؛ فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا.
وإن كانت الليالي أكثر من الأيام؛ كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول ...
وإن كانت الأيام والليالي في العدد سواءً؛ كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده، وهذا يشهد بتناهيهما؛ إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه. وقد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما وهذا مُوضِحٌ عن تناهيهما. وبهذا الدليل نعلم أيضا تناهيَ جميعِ ما مضى من الحركات والسكنات، ومن الاجتماعات والافتراقات، ومن الطيور والبيض والشجر والحَبِّ، وما يجري مجرى ذلك» [1] .
* وإذا تمسك المعترض بعودة هذا الكلام على قائله لاعتقاده استمرار نعيم المؤمنين في الجنة، وعذاب الكافرين في النار؛ فجواب الكراجكي: أن الأعداد يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها وحصرها، وأعداد الليل والنهار الماضيات قد وجدت وانحصرت بالفراغ منهما والوقوف عند آخرهما؛ فصح ضم بعضها إلى بعض وأمكن ما ذكرنا فيها.
وأما المستقبلات من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار؛ فأمور متوقعة لم توجد وليس لها آخر؛ لأنها تكون دائمة بغير انقضاء، وما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض إلى بعض، وما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثلَ ما قد حدث وكان وتناهى بإدراك آخره في كل حال [2] .
(1) - انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 36.
(2) - انظر السابق ـ ص 36، 37.