ثم بَنَى على ذلك عددًا من الأدلة المتشابهة، مما يمكن أن يعترض عليه باستمرار تتابع المحدثات، ودَفَعَ الاعتراض ببيان الفرق بين الحوادث الماضية والمستقبلة بوجود الماضيات وانحصارها. ومِنْ أظهر كلامه المُعتمِد على شهادة الحس في الدلالة على أن للأفعال الماضية أولا قوله: «لو قيل: لرجل لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تدخل قبلها غيرها. لمْ يَصِحَّ منه دخولُ شي ء من الدور أبدًا، ولم يمكن ذلك إلا بأن يَبتدِئَ بواحدة منها» [1] . على حين أنه لو قيل له: لا تَدخُلَنَّ دارًا حتى تَدخُلَ بعدها دارًا غيرها. فهذا حُكْمُه حُكْمُ العَادِّ الذي يصِحُّ أن يعُدَّ ما دام حيًّا. فإذا كان ليس لوجوده آخر؛ صَحَّ أن ليس لعَدِّه آخر، ومع ذلك فلا بُدَّ من أن يكون لعدِّه أول؛ لأن العدد لا يصح أن يتوالى إلا أن يكون له أول إما واحدا، أو جملة يُبْتدَأ بها تقوم مقام الواحد. وهكذا كل مُحدَثٍ ظهر في الوجود وتَمَّ الفراغُ منه [2] . وهذا ما سبق القاضي عبد الجبار إلى صياغته في صورة قاعدة كلامية: «ما وقف وجوده على وجود ما لا انقطاع له ولا تناهي لم يصح وجوده» [3] .
(1) - وهذه الدلالة سبق إلى تقريرها شيوخ المعتزلة وغيرهم من العدلية، كما نقل الكراجكي نفسه عن الشريف المرتضى في موضع لاحق من كنز الفوائد ـ ص 45.
(2) - انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 37: 39. ولقد غيرت في ترتيب كلامه، وأدخلت بعض أدلته في بعض؛ بغرض الاختصار دون إخلال بأصل فكرته.
(3) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 181.