الصفحة 512 من 1224

وآخر دلائل الكراجكي فيه اعتماد على الاستقراء والانتقال من حكم الأجزاء إلى حكم الكل؛ إذ يقول عن أفراد الموجودات المحدثة التي يكون «العالمُ» عبارةً عن مجموعِها: «قد ثبت أنَّ كُلَّ واحدٍ منها مُحدَثٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ فوجب أن تكون جميعُها مُحدَثةً كائنةً بعد أن لم تكن، ولها مُحدِثٌ مُتَقدِّمٌ عليها؛ لأنَّ جميعها هو مجتمع آحادها ولا يصحُّ أن يَختلِفَ في الجَمْعِ والتفريقِ هذا الحُكمُ فيها، كما أنَّ كل واحدٍ من الزَّنْجِ بانفراده أسود؛ والجميع باجتماعهم سود، والحُكْمُ في ذلك واحد في الجَمْعِ والتفريقِ.

و قد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال الفاعل وصنعة الصانع، والعقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله، وسبقِ الصانع لصنعته، وليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله» [1] .

* وقد وجَّه الكراجكي بعض الأسئلة على الدَّهرية في إطار المعارف الفلكية، وقد كان من رجالات علم الفلك في زمانه؛ قاصدا تأكيد دلائله الأولى في إثبات أن للحوادث أولا، فسأل عن حركات الشمس: ألم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها؟

فإن قالوا: بلى. قيل لهم: فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها، وتحركت الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها؛ فكذلك يجوز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى تفرغ منها، وتقف عند آخرها ولا يبقى مستقبل بعدها؟

قال الكراجكي: «فإن قالوا: إن المستقبلات لا كُلَّ في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا، ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا؛ لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم، وهو غير صحيح عندنا؛ إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند آخرها.

(1) - الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 40، 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت