فإن قالوا: إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة. قيل لهم: إنه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق إلى فهمه ولا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه، وهذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان». وليس لهم في دعواهم انفكاك مما يلزمهم من القول بأن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ماضيا ومستقبلا.
وسأل الكراجكي أيضا عن دورات الشمس في الفلك: أيجوز أن تدور في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز ذلك؟
وقال: «فإن قالوا: غير جائز. قيل لهم. لم زعمتم ذلك وعندكم أنها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها؟ أفليس في ذلك ما يفي بما قد مضى؟
فإن قالوا: لا يفي به جعلوا الماضي أكثر من المستقبل وأوجبوا تناهي المستقبل. وإن قالوا: إن الشمس ستدور دورات يفي عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى.
وقيل لهم: أفيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية؟
فإن قالوا: لا. أقروا بوجود الأول والآخر، وأوجبوا تناهي الزمان من طرفيه، وجعلوا لدورات الشمس بداية ونهاية، وهو خلاف ما ذهبوا إليه.
وإن قالوا: إنها ستدور دورات يفي عددها بما مضى، ويبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا. لم يبق شبهة في تناهي الماضي، وصح أوله وبطل مذهبهم في قدمه. والحمد لله» [1] .
* وعرض الكراجكي بعد ذلك شبهة لبعض الدهرية أوردها عليه في اجتماع لهما بالرملة، ولم يقنع الكراجكي بما قاله في ردها عليه في ذلك المجلس ولم يحكه، وإنما ذكر الكلام الذي أفاده في دفعها من الشريف المرتضى في جوابه الذي أرسله إليه كتابةً من بغداد، ثم عقب عليه بكلام لبعض المتكلمين موافق لرأي أبي القاسم البلخي المعتزلي البغدادي.
أما الشبهة؛ فمبنية على دلالة السبر والتقسيم .. قال الملحد مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة: إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال: إما أن تتقدم الصنعة عليه، أو أن تتأخر عنه، أو أن يكونا في الوجود سواء.
(1) - الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 39، 40.