الصفحة 518 من 1224

ولأبي الفتح الكراجكي بعد ذلك كلام في إثبات حدوث العالم من طريق دلالة حدوث الأعراض المتعاقبة على حدوث الأجسام التي لا تخلو منها، كالاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، والألوان والروائح والطعوم، ونحو ذلك من صفات الأجسام التي يدل على أنها أشياء غير الجسم ما نراه من تعاقبها عليه؛ لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز في العقل أن يكونا مجتمعين في الجسم، وإنما وجد أحدهما وعدم الآخر، وهما بذلك مُحدَثان؛ لأن الذي طرأ ووجد مُحدَث، والذي انعدم مُحدَث أيضا؛ لأنه لو لم يكن مُحدَثا لما جاز أن ينعدم.

ولا يتصور العقل أن الأجسام تخلو من هذه الأمور؛ لأن هذا من بدائه العقول وأوائل العلوم، وهذا كاف في توضيح أن الأجسام محدثة مثلها؛ لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المُحدَثِ يجب أن يكون مثله مُحدَثًا لوجوده أوَّل [1] .

ج ــ أما الشريف المرتضى، وقد مر بنا طرف من كلامه الذي أجاب به أبا الفتح الكراجكي؛ فقد اختار في «شرح جمل العلم والعمل» إثبات حدوث العالم من طريق دلالة حدوث الأعراض على حدوث الأجسام التي لا تنفك عنها، وذلك جماع العالم المحدث الذي لا بد له من صانع أحدثه بدلالة قياس الغائب على الشاهد؛ إذ لا بد لكل صنعة من صانع، ولا بد لكل فعل من فاعل.

* وقد سبق إلى هذه الدلالة أبو الهذيل العلاف (ت235هـ) وتابعه عليه شيوخ المعتزلة وأكثر متكلمي أهل السنة الموافقين للمعتزلة في هذه الدلالة التي اعتبرها القاضي عبد الجبار الدلالة المعتمدة [2] .

(1) - انظر الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 177، 178.

(2) - راجع القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت