فهرس الكتاب
وهذه الدلالة مبنية على أربع دعاوى: أولها: ثبوت الأعراض أو المعاني المغايرة للأجسام والقائمة بها. ودليل إثبات هذه المعاني ما نراه في حركة جسم وانتقاله من جهة إلى أخرى دون غيرها من الجهات مع جواز أن لا ينتقل أصلا، أو أن ينتقل إلى غير هذه الجهة، وأحوال الجسم على ما كانت عليه؛ فلا بد من أمر ما لأجله كان انتقاله أولى من سكونه في محله الأول، ولولاه لم يكن انتقاله لهذه الجهة أولى من غيرها. وهذا الأمر لا يخلو أن يكون نفس الجسم، أو وجوده، أو حدوثه، أو عدمه، أو عدم معنى، أو وجود معنى، أو الفاعل. لا يجوز أن يكون هذا الأمر نفس الجسم ولا وجوده ولا حدوثه؛ لأن ذلك كان حاصلا قبل انتقاله. ولا يجوز أن يكون عدمه؛ لأن ذلك يحيل كونه منتقلا. ولا يجوز أن يكون عدم معنى، لأن ذلك المعنى حينئذ لا يكون له اختصاص بجسم دون غيره ولا بجهة معينة دون غيرها. ويرى المرتضى أنه لا يجوز أن يكون ذلك الأمر هو الفاعل، لأن كل صفة تتعلق بالفاعل فالقادر عليها قادر على نفس الذات، ولو كان الجسم منتقلا بالفاعل مباشرة؛ لوجب أن يكون ذلك الفاعل قادرا على نفس الجسم [1] ؛ إلا إذا كان المقصود بقولنا: «انتقل الجسم بالفاعل» أنه فعل معنى أوجب انتقال الجسم من جهة إلى غيرها، وهذا هو مقصود المرتضى بعد إبطال جميع الأقسام السابقة؛ ليبقى ثابتا بعد ذلك وجودُ مَعنى هو العرض الذي لأجله انتقل الجسم من جهة إلى أخرى.
(1) - هذا أمر سنعود إلى ذكره في قضية أفعال العباد حيث نبين رأي المرتضى والقاضي عبد الجبار المعتزلي في أن القدرة المحدثة للعباد لا تتعلق باختراع الجواهر، وإنما هي تتصرف في بعض الأعراض .. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية بين المتكلمين والصوفية ـ ص 305.