فهرس الكتاب
والثانية: أن تلك المعاني متعلقة بنا ومحتاجة إلينا، لوجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا. ويبين المرتضى ذلك بأن من شاهد سبُعًا قد أقبل عليه، أو نارا أحاطت به، وهو قادر على الهرب؛ فلا يجوز أن لا يقع منه الهرب مع كمال عقله، ولولا أن فعل الهرب متعلق به لما وجب وقوعه منه على هذه الحال. وليس كذلك وقوع فعل الرعية بحسب إرادة الملك، وفعل العبد بحسب إرادة سيده؛ لأن كل ذلك غير واجب. وينتقد المرتضى قول من يقول عن أفعال العباد: «إن الله ــ سبحانه ــ يفعلها فيهم بالعادة» . فوقوع فعل العبد إنما يكون بحسب إرادته وكراهته، ولأن تعلق الفعل بالفاعل يجب أن يكون معقولا قبل إثبات فاعل مُعين، ولا وجه يعقل آكد من وجوب حصول الفعل بحسب دواعيه وأحواله. ويرى المرتضى أن هذه العلاقة معلومة الوجوب فينا، مُجَوَّزَةٌ في حق الله تعالى؛ فلا يجوز ترك المعلوم للمُجَوَّز.
والدعوى الثالثة: أن هذه المعاني إنما احتاجت إلينا في حدوثها لا غير. وذلك لأن الذي يتجدد عند دواعينا وأحوالنا هو الحدوث؛ فينبغي أن يكون هو علة الحاجة، كما أن الذي يتجدد عند وجود الحركة هو كون الجسم متحركا؛ فنعلم أن علة الحاجة إلى الحركة كونه متحركا.
والرابعة: أن ما شارك تلك المعاني في الحدوث ــ يعني الأجسام ــ يحتاج إلى مُحدِثٍ أيضا. وهذا مبني على ما سبق من أن علة الحاجة هي الحدوث، وقد ثبت أن الأجسام محدَثة؛ فيجب احتياجها إلى مُحدِثٍ وإلا انتقضت علة الحاجة.
وإن قال معترض: إن الإجسام يجب حدوثها؛ فلا تحتاج إلى مُحدِثٍ. فجواب المرتضى: أنه لو وجب حدوثها؛ لكان ذلك راجعا إلى صفة نفسها، وذلك يؤدي إلى وجوب وجودها فيما لم يزل؛ إذ ليس هناك شرط معقول يُنتظَر، وذلك يوجب قدمها وقد ثبت حدوثها [1] .
(1) - انظر المرتضى: شرح جمل العلم والعمل ـ ص 43: 45.