فهرس الكتاب
د ــ أما شيخ الطائفة الطوسي؛ فهو في كتاب «تمهيد الأصول» مشغول بشرح كلام شيخه المرتضى في «جمل العلم والعمل» وبسطه اعتمادا على ما فَصَّله المرتضى نفسه في كتابيه «الملخص» و «الذخيرة» ، وقد أشار الطوسي نفسه لذلك غير مرة، وإن ذكر أن النصف الأول المختصر من «الذخيرة» بحاجة إلى مزيد شرح وبيان؛ فلا يكاد يزيد شيئا في أصل الأفكار والدلائل على ما قاله المرتضى [1] .
* وفي كتاب «الاقتصاد» ذكر الشيخ الطوسي أنه لا يمكن الوصول إلى معرفة الله ــ تعالى ــ إلا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور الخلق، وهو الأجسام والأعراض المخصوصة، كالألوان والطعوم والأراييح والقدرة والحياة والشهوة ...، فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور الخلق كالحركات والسكنات والاعتمادات والأصوات؛ فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة الله ــ تعالى.
وبين أن الكلام في حدوث الأجسام أظهر، لأنها معلومة بالضرورة لا يحتاج في العلم بوجودها إلى دليل؛ إنما يحتاج إلى الكلام في حدوثها، ثم بيان أن لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما بالله [2] .
(1) - راجع الطوسي: تمهيد الأصول ـ ص 1، 2. وراجع كلامه عن حدوث الأجسام وإثبات أن لها صانعا ـ ص 8: 23. وهذه الإشارة من الطوسي تجعلنا نُغَلِّبُ أنَّ المرتضى سلك الطريق نفسه في إثبات حدوث الأجسام فيما لم يصل إلينا من الذخيرة والملخص.
(2) - وكان قد ذكر في التمهيد ـ ص 7 سببين لاختيار المتكلمين دلالة حدوث الأجسام دون الأعراض. هذا أحدهما، والثاني: أنه إذا علم حدوث الأجسام؛ علم أن صانعها ـ عز وجل ـ لا يشبهها؛ لأنه لو أشبهها لكان محدثا أو كانت الأجسام قديمة. أما لو عرفناه ـ تعالى ـ من طريق حدوث الأعراض المخصوصة؛ فيجوز أن تكون الأجسام قديمة، ولا يعلم أنه ـ تعالى ـ لا يشبهها إلا بعد استئناف طريق حدوث الأجسام، وبذلك تطول الدلائل، ومن ثم كان الكلام في حدوث الأجسام أولى.
وقد سبق القاضي عبد الجبار إلى ذكر هذين السببين، وأضاف إليهما ثالثا هو أن الاستدلال بالأجسام يتضمن إثبات الأعراض وحدوثها، وليس كذلك الاستدلال بالأعراض .. راجع القاضي: شرح الأصول الخمسة ـ ص 94.