فهرس الكتاب
أما بيان الأول؛ فهو أن الأجسام لو كانت قديمة لوجب أن تكون في الأزل في جهة من جهات العالم بإيجاب ما هي عليه من الحجم والجثة، ولو كان ذلك كذلك فلا يخلو كونها في هذه الجهة من أن يكون للنفس أو لمعنى قديم أو لمعنى محدث أو بالفاعل .. لا يجوز أن يكون للنفس؛ لأن صفات النفس لا تتغير ولا تزول، والمعلوم ضرورة صحة انتقال الأجسام من جهة إلى أخرى. ولا يجوز أن يكون لمعنى قديم؛ لأن انتقال الجسم إلى جهة أخرى يبطل قدم هذا المعنى الذي لا يُتَصَوَّرُ بقاؤه في الجهة الأخرى. ولا يجوز أن يكون لمعنى محدث؛ لأنَّ المعنى المحدث لا يوجب صفة في الأزل. ولا يجوز أن يكون بالفاعل؛ لأن الفاعل من شأنه أن يتقدم على فعله. وإذا بطلت هذه الأقسام جميعا وظهر أنها محالة؛ فقد بطل قدم الأجسام؛ لأن ما يفضي إلى المحال محال مثله، على حد تعبير أبي حامد الغزالي فيما بعد [1] ، وثبت أنها محدثة؛ لأنه لا واسطة بين القدم والحدوث.
(1) - انظر الطوسي: الاقتصاد ـ ص 20، 21. وراجع تعبير الغزالي في مقدمات الاقتصاد في الاعتقاد ـ ص 11 في بيان المنهج الثالث من طرق الاستدلال التي اعتمدها في كتابه، وهو الذي لا يتعرض فيه المتكلم لبيان إثبات دعواه، وإنما يدعي استحالة دعوى الخصم ببيان أنها مفضية إلى المحال.