الصفحة 525 من 1224

* وفي الدلالة على إثبات الصانع لهذه الأجسام المحدثة، وذلك أول العلم بالله ــ تعالى ــ على وجه الجملة عند الشيخ الطوسي [1] ، نجده يدفع عددا من الاعتراضات، منها الاعتراض بوجود مخالفة بين طرفي صورة قياس حاجة الأجسام المحدثة إلى فاعل على حاجة الكتابة إلى كاتب، والبناء إلى بانٍ، والنساجة إلى ناسج، بجامع الاشتراك في الحدوث؛ إذ في الناس من يرى أن الكتابة لا تعلق لها بالكاتب، والبناء لا تعلق له بالفاعل، كالأشعري وأصحابه؛ لأن هذا وأمثاله عندهم ليس من فعل العباد وإنما من فعل الله وحده [2] . وجواب الشيخ الطوسي أن الأشعري لم يدفع حاجة هذه الصنائع المحدثة إلى فاعل، وإنما قال: فاعلها هو الله وحده دون العبد. ونحن لم ندع العلم بهذه الأفعال إلى فاعل معين؛ بل ادعينا حاجتها إلى صانع ما في الجملة. أما أن يكون هذا الصانع هو القديم أو الواحد منا؛ فهذا موقوف على دلالة مستقلة، والواجب في أفعالنا أنها توجد بحسب دواعينا، وتنتفي بحسب صوارفنا وكراهتنا.

وإن قيل: إن حاجة الكتابة إلى الكاتب بالعادة دون الوجوب. فجواب الشيخ الطوسي أن هذا القول فاسد من وجهين: أحدهما: أن ذلك يبطل الفرق بين الواجب والمعتاد، ويؤدي إلى أنه لا فرق بينهما، ولقائل أن يقول: انتفاء السواد بالبياض بالعادة، وحاجة العلم إلى الحياة بالعادة وغير ذلك من الواجبات. فبأي شيء فرقوا بينهما فهو فرقنا بين أن يكون ذلك واجبا أو معتادا.

(1) - راجعه: التمهيد ـ ص 19. وذكر مخالفة بعض المتكلمين في تحديد أول العلم به ـ تعالى ـ بأن يعلمه قادرا لنفسه؛ لأن العالم بذلك يعلم تميزه عن سائر الذوات. وذهب بعضهم إلى أن أول العلم به ـ تعالى ـ هو العلم بأن للأجسام محدثا غيرها.

(2) - في نسبة هذا الرأي بهذه الصورة في هذا السياق للإمام أبي الحسن الأشعري نظر .. راجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية بين المتكلمين والصوفية ـ ص 323: 325.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت