فهرس الكتاب
والثاني: أنه لو كان ذلك بالعادة لوجب أن يُجَوِّزَ مَنْ لا يعرف العادات ولا نشأ بين أهلها أن تبنى دار من قبل نفسها، أو تكتب كتابة طويلة بلا كاتب، أو أن تنسج نساجة عجيبة من غير ناسج وغير ذلك. والمعلوم خلاف ذلك.
وقد يقول معترض: لو خلق الله ــ تعالى ــ عاقلا ابتداء فشاهد قصرا مبنيا وكتابة هل كان يعلم أن لها بانيا وكاتبا أم لا؟ فإن قلتم: يعلم. قلنا: وأي طريق له إلى ذلك؟ وإن قلتم: لا يعلم بذلك. فقد بطل ادعاؤكم العلم على الوجوب. وجواب الشيخ الطوسي أن من خلقه الله وحده ابتداء وشاهد الكتابة أو القصر فهو لا يعلمهما محدثين متجددين؛ فلذلك لا يعلم لهما بانيا وكاتبا، فيحتاج أن يتأمل حالهما حتى يعلمهما محدثين متجددين، فإذا علمهما محدثين علم تعلقهما بفاعل. ونظير ذلك أن من شاهد الأجسام قبل النظر في حدوثها، لم يعلم أن لها محدثا. فإذا تأمل وعلم حدوثها علم عند ذلك أن لها محدثا.
وفيما يتعلق بالكتابة والبناء والنساجة وغير ذلك من الصنائع الحادثة، بَيَّنَ الشيخُ الطوسي أن علة حاجتها إلينا هي حدوثها لا غير، وذلك لأمرين: أحدهما: أن الذي يتجدد عند دواعينا حدوث هذه الصنائع، وينتفى عند صوارفنا حدوثها أيضا؛ فعلمنا أن علة حاجتها إلينا حدوثها.
والثاني: أن هذه الأشياء لها ثلاثة أحوال: حال عدم، وحال حدوث، وحال بقاء. وهي لا تحتاج إلينا في حال عدمها؛ لكونها معدومة في الأزل. وهي تستغني عنا في حال بقائها. وإنما تتعلق بنا وتحتاج إلينا في حال حدوثها؛ فعلمنا بذلك أن علة حاجتها إلينا الحدوث. فعند ذلك نحكم بحاجة الأجسام ــ إذ ثبت حدوثها ــ إلى مُحدِث؛ للاشتراك في علة الحاجة [1] .
(1) - انظر الطوسي: الاقتصاد ـ ص 25: 27.