الصفحة 527 من 1224

هـ ــ وأما الشيخ تقي الدين أبو الصلاح الحلبي؛ فبعد تقريره وجوب النظر في معرفة الله ــ تعالى ــ مخافة الضرر المترتب على تركه، قرر في «تقريب المعارف في الكلام» أن أول منظور فيه هو الأجسام؛ لأن تقدير قدمها يُسْقِطُ حُكْمَ التكاليف المكتسبة، وتقدير حدوثها يُعَيِّنُهَا. وذكر أن طريق حدوثها مبني على مقدمة ضرورية هي: حدوث ما لم يسبق الحوادث. وعلى نتيجة مكتسبة هي: إثبات الجسم بهذه الصفة. وهذه النتيجة تفتقر إلى إثبات أغيار للجسم، وأنها محدثة، وأن الجسم غير سابق لها. وقد فصل أبو الصلاح الاستدلال من هذا الطريق على نحو ما سبق عند شيخيه المرتضى والطوسي [1] .

* وقد ذكر أبو الصلاح بعد ذلك طريقين لحدوث الأجسام: أولهما: ما سبق إلى ذكره وتفصيله القاضي عبد الجبار، وهو الاستدلال على الله ــ تعالى ــ ومعرفة قدمه لنفسه ووحدته في ذاته وصفاته من طريق الأعراض الخارجة عن قدرة المُحدَث, وذلك يقتضي حدوث الأجسام من حيث كان قدمها يقتضي مماثلتها لله ــ تعالى ــ وقد عُلم أنه لا مثل له؛ فوجب العلم بحدوث الأجسام؛ لأن الموجود يتردد بين وصفي القِدَمِ والحِدَثِ بلا واسطة [2] .

والثاني: أن الأجسام موجودات متحيزة، وكل جسم منها مختص بجهة من الجهات مع إمكان تحوله عنها إلى جهة أخرى .. ولو كانت الأجسام قديمة لكان اختصاص كل جسم متحيز منها بجهة ما لما هو عليه في ذاته أو لمقتض قديم، ولا يجوز أن يكون إسناد ذلك إلى فاعل ولا إلى مُقتَضٍ حادث؛ إذ يلزم عن ذلك حدوث الأجسام وهو خلاف الفرض.

ولو كانت الأجسام المتحيزة مختصة بجهاتها لما هي عليه في ذواتها، وهي متماثلة؛ لوجب أن تكون جميعا في جهة واحدة، وهذا محال؛ فما أدى إليه مثله.

(1) - انظر أبا الصلاح الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 35، 36.

(2) - راجع السابق ـ ص 36، 37. وراجع القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 92: 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت