فهرس الكتاب
وقد ذكر أبو الصلاح أن الاستدلال في هذه الآيات وأمثالها بتجدد الجواهر لا يمكن؛ لصحة تنقلها في الجهات، وتجويزُ كل ناظر لذلك يمنع من القطع على وجودها في الحال بعد عدم. ولأنه ــ سبحانه ــ كرر الاستدلال بصفة متجددة للجواهر بعد صفة، ولو كان الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا، ولم يكن لتكرير الصفات معنى؛ لأن جواهر الموصوف موجودة منذ أخبر سبحانه بالتراب. ولأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل ــ لو دل ــ إلا بذكر التراب دون ما بعده؛ لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب، وجواهر العلقة هي النطفة، والمضغة هي العلقة، والعظم هو المضغة؛ فلم يبق لاستدلاله ــ سبحانه ــ بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس الحالة في الجواهر، والدالة بتجددها على أن لها مجددا، وبتعذرها على الأجسام على كونه ــ سبحانه ــ مخالفا لها، وبكونها محدثة على أنها مربوبة له؛ بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة مُنَزِّلِه ــ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا [1] .
وفي كتاب «الكافي في الفقه» ذكر الشيخ الحلبي أن أول منظور فيه بعد العلم بوجوب النظر، هو الجواهر والأجناس المخصوصة من الأعراض التي لا تتعلق بها قدر المحدثين.
(1) - انظر أبا الصلاح الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 43، 44. مع مراعاة أن ما حكاه من رأي المعتزلة لم يكن على الأقل رأيا للقاضي عبد الجبار الذي ذكرنا من قريب وجه استدلاله على معرفة الله ـ تعالى ـ من طريق أجناس الأعراض المخصوصة، وعرفنا تجويزه لمعرفة حدوث الأجسام من هذا الطريق بعد معرفة الله وكونه قديما.