الصفحة 533 من 1224

لقد عرفنا فيما مضى من هذا الفصل كيفيةَ استدلالِ متكلمي الاثنا عشرية على حدوث العالم المسبوق بالعدم، والاستدلالِ بذلك على وجود صانع مُحدِثٍ فاعِلٍ مُخرِجٍ له من العدم المحض إلى الوجود.

أ ــ فساد القول بتسلسل الحوادث بلا أول، وبطلان نسبته إلى أئمة السلف:

* وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية ــ غفر الله لنا وله ــ ينسبُ إلى السلف من أئمة المحدثين والفقهاء من أهل السنة اعتقاد ما فَهِمَهُ هو نَفسُه، واعتقد صِحَّتَه من القول بأن أنواع الحوادث لا أوَّل لها، وأن كل مُعَيَّنٍ منها محدث على حين أن نوعه قديم؛ بزعم دفع القول بالتعطيل عن الله ــ تعالى ــ من حيث لم يمض عليه ــ عز وجل ــ زمان بلا فعل؛ فهو يرى أنه ما من فعل لله ــ تعالى ــ إلا وهو مسبوق بفعل له لا إلى نهاية. وليس معه في ذلك نص ولا رواية لقول أحد من أئمة السلف؛ غير أنه قاس ذلك على نعيم أهل الجنة الذي يدوم نوعه ويفنى كُلُّ واحدٍ واحدٍ من أعيانه [1] ..

(1) - انظر ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ـ 2/ 148. وراجع نقد هذا الرأي وكلامي عن أنه مُعَارَضٌ بالنقل الصحيح أيضا في بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 258. وكنت ذكرت يومئذ أنه معارض بما رواه البخاري في صحيحه من قول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في جواب سؤال لأهل اليمن: «كان الله ولم يكن شيء غيره» اعتمادا على ما سمعته قديما من الشيوخ في أن هذا أولى ألفاظ روايات الحديث من حيث تضمنه لما سواه. وكنتُ قد أخطأتُ في عزو هذا اللفظ إلى كتاب التوحيد من صحيح البخاري. والصواب أن البخاري أخرجه في صحيحه: كتاب بدء الخلق ـ باب ما جاء في قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } الروم/ 27. والذي في كتاب التوحيد ـ باب { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء } هود/ 7، إنما هو لفظ: «كان الله ولم يكن شيء قبله» ..أخرجه البخاري بطريق آخر غير الذي سبق في كتاب بدء الخلق. وهذا اللفظ الأخير هو الذي يرجحه ابن تيمية، ويزعم أنه موافق لقوله في القدم النوعي وتسلسل الحوادث بلا أول ..

وقد نقلت مؤخرا من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله تعالى ـ في فتح الباري ـ 13/ 410 في شرحه لرواية كتاب التوحيد من صحيح البخاري: «قوله: «كان الله ولم يكن شيء قبله» . تقدم في بدء الخلق بلفظ «ولم يكن شيء غيره» . وفي رواية أبي معاوية «كان الله قبل كل شيء» وهو بمعنى «كان الله ولا شيء معه» وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي (أي مسألة إثبات تسلسل الحوادث بلا أول) من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها، مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس، والجمع يُقَدَّمُ على الترجيح بالاتفاق». ومعنى كلام الحافظ أن معنى الرواية الأولى لا يلزم معه رد الثانية، فهما بمعنى «كان الله ولا شيء معه» . أما ترجيح الرواية الثانية «كان الله ولم يكن شيء قبله» على ما ذكره ابن تيمية؛ فإنه يقضي برد الرواية الأولى من الصحيح ورد ما سواها مما جاء في كتب السنن مما أورده الحافظ في كلامه. وقد قال ابن تيمية ما قاله مع أن الرواية التي رجحها متضمنة سؤال أهل اليمن عن أول أمر الخلق .. قالوا: «جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، ما كان؟» . على حين أن الرواية الأولى جاء فيها فقط قولهم: «جئنا نسألك عن هذا الأمر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت