فهرس الكتاب
* ولقد كان في شيوخنا من يسارع إلى تكفير القائل بثبوت حوادث لا أول لها؛ حملا لقوله على قول الدهرية الذي دعا المتكلمين في أول الأمر إلى الكلام عن حدوث العالم جملة واحدة باعتباره مخلوقا مصنوعا لله ــ عز وجل ــ بكل مفرداته. وهذا التكفير بعيد حكمه ــ عندي ــ في هذه المسألة خاصة عمن يعتقد أن كل ما سوى الله ــ تعالى ــ مخلوق ومصنوع له، ويُصرِّح بأنَّ كُلَّ ما يَتَعَيَّنُ وجودُه من هذه المصنوعات محتاجٌ في وجوده واستمراره إلى الله ــ عز وجل ــ وإن أخطأ سبيل المعقول والحق في هذه المسألة بشُبْهَةٍ وقعت له في فهم حقيقة الزمان، ومعرفة حكم تقديره مع الجواز لا مع الاستحالة، وإن كان من الحمق والغفلة تقدير زمان بغير مخلوق ينتقل من مكان إلى مكان؛ ليقال مع عدم العالم: مضى على الله ــ تعالى ــ زمان فعل فيه أو لم يكن فيه فاعلا. وإنني لا أدري كيف انتظم في عقول هؤلاء أن يحكموا باشتمال الزمان على أفعال الله ــ تعالى ــ التي يصرحون بأنها قائمة به وغير منفصلة في الوجود عنه، والزمان من جملة مخلوقاته؟!
إنَّ هذا هو عين ما أدخل الشبهةَ على الفلاسفة و كُلِّ من قال بقدم العالم، ونفي صنعه، ومنع كونه مسبوقا بالعدم؛ فما أسقطهم في هذه الوهدة سوى أنهم قالوا بقدم الزمان، فأحسبهم لم يمنعوا أن يكون لحركات الأفلاك أجزاء، وإن كان من قول أرسطو المعروف أن الحركة الدائرية مستمرة؛ فالمتحرك لا بد أن يقطع أجزاء في حركته .. لقد كانوا يقولون: إنه ما من حركة إلا وقبلها حركة بلا سكون يتخلل الحركات الدائرية للأفلاك. وهذا هو القدم النوعي الذي قال به ابن تيمية، ونسب فهمه بغير حق إلى جملة أئمة الفقهاء والمحدثين الذين لم يخوضوا في شيء من هذا القول، ولا يلزمهم في عقائدهم من لوازمه الفاسدة شيء ..