الصفحة 537 من 1224

ولقد أعجبني قول سمعته من قريب يلزم عنه نفيُ التكفير في هذه المسألة أصلا؛ لأن هذا الحكم فرع العقل الصحيح، ومثبت تسلسل الحوادث بلا أوَّل عارٍ من العقل الذي يدرك أن كل ما دخل الوجود بعد أن لم يكن ــ محصورٌ بالعدد، وإن زاد عَدُّه عن إمكانات إحصائنا؛ فالله ــ تعالى ــ يُحصيه ويَعُدُّ أفرادَه عَدًّا.

* وسواء أحصينا أو كان العدُّ والإحصاء من الله ــ تعالى ــ وحده؛ فلا بُدَّ من أوَّل، وإلا كان اللازم عن قدم الأنواع إبطال المحاسبة في يوم القيامة أيضا؛ متى لم يكن لأنواع المخلوقات من المحاسبين أوَّل، أم أنَّ عقول هؤلاء تُجَوِّزُ البدء والفراغ مما لا نهاية له!! وإني أتكلم هنا عن المحاسبين المخلوقين لله ــ عز وجل.

والسؤال: كيف يثبت بدء حساب ما لا أول له منهم، وكيف يثبت الفراغ من حساب هؤلاء؛ ليذهب أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة في يوم القيامة، وهو يومٌ واحدٌ كائنا ما كان طول زمانه؛ فليس منه ما قبله ولا ما بعده من الأزمنة الجارية على أهل التعذيب في النار والتنعيم في الجنة؟!

وإن الذي يُثبتُ المعاد ويثبت الحساب في يوم القيامة، يلزمه أن يُثبتَ بدايةً ونهايةً لأنواع المحاسبين من الجن والإنس وما يعلمه الله ــ تعالى ــ من مخلوقاته التي لا يُحصي أنواعَها وأفرادَها غيرُه. وإذا لم يجدوا في العقل ولا في السمع القاطع ما يمنع هذا الإلزام، وقالوا: إن أهل الحساب لهم بداية ونهاية دون غيرهم من الخلائق. فإنا نسألهم بماذا يفصلون بين أنواع المحاسبين وغيرهم من المخلوقات التي يقولون بأنها قديمة النوع، وما من مخلوق من أفرادها إلا وقبله مخلوق؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت