الصفحة 539 من 1224

فإن قالوا على قياس ابن تيمية: المحاسبون لهم بداية ونهاية، وما سواهم من المخلوقات قديم النوع لا أول له، كما أن نعيم أهل الجنة باقي النوع لا آخر له وليس فيه مخلوق محاسب [1] .

(1) - وهذا القياس في الحقيقة أقدم من ابن تيمية بكثير، وقد نسبه ابن حزم في الفصل ـ 1/ 23 إلى أحد الملحدين ـ على حد عبارة ابن حزم ـ في زمانه، وسماه عبد الله بن شنيف، ذكر أنه كان يعترض نفي تسلسل الحوادث بخلود الجنة والنار وأهلهما. وهذا تحدث عن خلود الجنة والنار وما فيهما؛ على حين أن ابن تيمية تكلم فقط عن بقاء أنواع النعيم في الجنة دون أنواع العذاب في النار، وذلك لأنه يذكر أن القول بفناء النار أحد قولي السلف والخلف، كما حكاه عنه تلميذه ابن قيم الجوزية، وحاول أن ينتصر له في جدل طويل أوَّلَ فيه ظاهرَ القرآن الحاكم بتأبيد العذاب لأهل الخلود في النار بأن ذلك إنما يكون ما دامت النار باقية قبل فنائها، وعارض إحدى روايتي حديثِ صحيحِ البخاري في أن الله ـ تعالى ـ «ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها ...» بزعم أن متنه انقلب على الرواة، وأن ذلك في الجنة دون النار .. راجع أبا عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» ـ ص 248، 249، وما بعدهما من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت. وحديث البخاري الذي وصمه بانقلاب متنه أخرجه في الصحيح: كتاب التوحيد ـ باب ما جاء في قوله الله تعالى: { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } الأعراف/ 56. والرواية الصحيحة عنده ما أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير (سورة ق) ـ باب قوله: { وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } ق/ 30. وراجع شرح الروايتين عند الحافظ ابن حجر: فتح الباري ـ 8/ 595: 597، 13/ 435: 437.

والقول بفناء النار بمن فيها طامة أخرى فيها تحقيق أمنية الكفار حين يقول الواحد منهم، كما قال اللَّهُ ـ تعالى ـ: { إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا } النبأ/ 40. وما أحسب أن ابن قيم الجوزية يتجرأ على نصرة هذا القول دون علمه بتطامن شيخه إليه أو توقفه فيه، وقد صرح بأن شيخ الإسلام رواه عن بعض السلف، وإن كنت لم أجد فيما بين يدي من مؤلفات ابن تيمية ما يدل على اعتقاده لما نصره تلميذه؛ لكن ابن قيم الجوزية ذكر في «شفاء العليل» ـ ص 525، 526 أنه سأل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، فقال له: إنها مسألة عظيمة كبيرة. ولم يجب فيها بشيء. ثم إن ابن قيم الجوزية ذكر أنه أرسل إليه في مجلسه الأخير بتفسير عَبْد بن حميد، وعَلَّمَ فيه على مواضع الروايات الناصرة للقول بفناء النار؛ فصنف شيخ الإسلام في ذلك مصنفا، لم يظهر في الكلام عنوانه ولا تفصيل ما كان فيه؛ لكن ابن قيم الجوزية أنهى الكلام بأن نصوص القرآن دلت على دوام الجنة، وأن الله أخبرنا بما شاءه فيها، وذكر أن القول بدوام النار ودوام عذابها بدوام الله ـ خبرٌ عن الله بما يفعله، فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك؛ فهو خبر عليه بغير علم .. قال: «والنصوص لا تفهم ذلك» . وإني لا أدري: أهذا كلام ابن تيمية في مصنفه المذكور، أم كلام تلميذه؟

ولقد كتب محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رسالة بعنوان «رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار» ، فذكر أن الرازي تعرض للمسألة في تفسيره ولم يورد فيها دليل نفي ولا إثبات، ولا نسبها إلى قائل معين. وقد تعقب الصنعاني فيها كلام ابن قيم الجوزية في «حادي الأرواح» ، وذكر في مطلعها أن كلام ابن القيم في مسألة فناء النار نقل وتقرير لكلام شيخه ابن تيمية .. قال: «فهو حامل لوائها، ومشيد بنائها، وحاشد خيل الأدلة ورجلها، ودقها وجلها، وكثيرها وقليلها. وأقر كلامه تلميذه ابن القيم وقال في آخرها: إنها مسألة أكبر من الدنيا وما فيها بأضعاف مضاعفة» .. راجع الصنعاني: رفع الأستار ـ ص 62، 63. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. ط1، المكتب الإسلامي ـ بيروت، لبنان 1405هـ. على أن هذا القول الذي نصره ابن قيم الجوزية في هذه المسألة مع فساده، لا يعارض تمام أدلة إثبات المعاد، ولا يمنع وجوبه في الشرع، ولا يحول دون جوازه في العقل، وإن كان من جملة آراء قديمة ضرب أهل العلم عن ذكرها صفحًا؛ فلا أدري لماذا كان هذا الشغف بجمع شاذ الأقوال وشارد الآراء؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت