فهرس الكتاب
قلنا لهم: بئس القياس قياسكم الذي لا يجمع بين طرفيه جامع معقول؛ فإن الله ــ تعالى ــ يوجد أصناف النعيم في الجنة مما لم يكن داخلا في الوجود أصلا، ولا نهاية لما يمكن أن يوجد في المستقبل من العدم في خزائن من إذا شاء قال كن فيكون؛ على أن مفردات هذا النعيم إذ تدخل في الوجود بالفعل لها أول مسبوق بالعدم المحض، ولم يكن قبل وجود الجنة منه شيء؛ إلا إذا كان هؤلاء يعتقدون أيضا قدم الجنة بزعم أن المسلمين جميعا يعتقدون بقاءها، أو أنهم يردون ما أجمعت عليه الأمة من أنه ليس في نعيم الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، وليس لهذا حكم يخالف كونه مفتتح الوجود في الجنة فقط.
ثم إن أصناف النعيم التي تكون في الجنة إنما يوجدها الله ــ تعالى ــ لتنعيم من أدام وجودهم من أهلها؛ فما الذي يقوله هؤلاء الذين يفهمون ما قَصَّرَ عن فهمِه غيرُهم من أهل السنة والبدعة في أنواع هذه المخلوقات التي لا أول لأفرادها عندهم؟!
وليت شعري كيف يخلص لهؤلاء احتجاج على بعض ملحدي عصرنا القائلين بتطور الخلائق، والمعتقدين أن البشر متحولون عن كائنات حية سابقة من الحيوان في سلسلة لا أول لها، وغير مسبوقة بخلق من العدم؟! ولقد صدق الإمام ابن حزم حينما قال: «أصناف الحمق أكثر من أصناف التمر» [1] .
(1) - ابن حزم: الإحكام ـ 4/ 538.