فهرس الكتاب
ونعم إننا نستطيع إثبات وجود الصانع، وأن نعرف صفاتِه وأسماءه، وما كلفنا به من الشرائع، عن طريق إثبات النبوة، وتصديق النبي فيما يبلغنا عن ربه. ونستطيع أن نثبت المعرفة بالمعاد والحساب من ذلك الطريق أيضا؛ على ما كان من أصحاب سيدنا محمد ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ وقال به أئمة الفقهاء والمحدثين. وهذه المعرفة لا يشوبها ما يزعزع اليقينَ بصحتها، ما لم تظهر الشبه المتعلقة بقدم العالم وتسلسل الحوادث؛ للتشويش على هذه العقائد وزعزعة اليقين بها في عقول المسلمين، وهنا يجب في حق من عاصر إعلانَ هذه الشبه من علماء المسلمين أن يجرد سلاح فكره، وصحيح فهمه لعقائد الكتاب والسنة؛ ليدفع الباطل ويدرأ الشبهة.
ولقد كان الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ والصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ يلقون الدهرية من مشركي العرب النافين للبعث والنشور، من الذين بين الله ــ تعالى ــ اعتقادهم في قوله ــ عز وجل ــ: { وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ } الجاثية/ 24: 27. وعرفنا كيف أجرى الله ــ تعالى ــ الحجة لهم على هؤلاء الدهرية بما هو ثابت ومُسَلَّمٌ عندهم من أن الله خلق كل واحد منهم ابتداء، والإعادة أهون من الابتداء، كما هو مفصل في آخر سورة يس، وفي غيرها من سور القرآن الكريم.