الصفحة 542 من 1224

والذين جاءوا بعد ذلك من المسلمين نبغ في زمانهم من يعارض عقائدهم في ثبوت الصانع، وثبوت المعاد بغير الاعتماد على أنهم لم يروا أحدا ممن ذهب من آبائهم يعود، وإنما كانوا يقولون بأمثال ما حكيته في كلام أبي الفتح الكراجكي [1] . فمن ثم وجب الكلام على علماء هذا الزمان في دفع هذه الشبه الجديدة؛ لتسلم لهم عقائدهم، دون أن يكون في ذلك خروج ولا معارضة للكتاب والسنة اللذين جاء فيهما حكاية كثير من أقوال المذاهب الفاسدة، وبيان أصول ما يُدفَعُ به عن عقائد الإسلام.

وكما يجب علينا أن نجدد في أسلحة الدفاع عن أرض الإسلام وحرمات أهله ونشر دعوته بالحق؛ وفق المتغيرات في الأزمنة المتعاقبة، وما ندافع عنه شيء ثابت لا يتجدد ولا يتغير ــ كذلك يجب علينا أن نجدد في وسائل الدفاع الفكري عن عقائدنا، وهي عين ما ثبت في الكتاب والسنة، لا نبدلها ولا نضيف إليها من عند أنفسنا شيئا. ولكل وسيلة مختصون بالتجديد فيها من أهل العلم والخبرة بها ..

ولا شك في أن المتكلم الذي يحصر طرق معرفة الله ــ تعالى ــ في الكلام المبني على إثبات حدوث العالم فقط، أو المحصور في معرفة حدوث العالم من طريق حدوث الجواهر والأعراض .. لا شك في أن الشطط قد بلغ به مبلغا عظيما؛ فحصول هذه المعرفة من غير هذا الطريق ثابت بلا ريب، وقد لا يخطر ببال المسلم المؤمن الكلام في حدوث جملة العالم بكل ما فيه إثباتا ولا نفيا قط، وهو مسلم مؤمن عارف ربه بما يتجلى من آثار حكمته في كل ما يدركه، متبع لنبي الإسلام، يُرجَى له النجاةُ بما اعتقده من الحق، ويُخشَى عليه العذابُ فيما قصَّرَ فيه وراء ذلك.

(1) - راجع ما سبق من هذه الدراسة ـ ص 518.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت