فهرس الكتاب
ويلاحظ أيضا أن المفيد لا يعد العلم الحاصل بالخبر المتواتر من العلم الضروري أو الاضطراري على حد تعبيره، وإنما يوافق المعتزلة البغداديين في عده ضمن العلوم المكتسبة بالاستدلال، وقوله فيه كقوله في جملة الغائبات عن الحس .. قال: «وإلى هذا يذهب جمهور البغداديين، ويخالف فيه البصريون والمشبهة وأهل الإجبار» ، ثم قال بعد ذلك: «إن التواتر المقطوع بصحته في الأخبار هو نقل الجماعة التي يستحيل في العادة أن تتواطأ على افتعال خبر، فينطوي ذلك ولا يظهر على البيان، وهذا أمر يرجع إلى أحوال الناس واختلاف دواعيهم وأسبابهم، والعلم بذلك راجع إلى المشاهدات في الوجود، وليس يتصور للغائب التعبير عن ذلك بالعبارة والكلام. وهذا مذهب أصحاب التواتر من البغداديين، ويخالف فيه البصريون ويحدونه بما أوجب علما على الاضطرار» [1] .
وقد علق واعظ جرندابي على كلام المفيد قائلا: «الكلام عن حقيقة التواتر وما به يتحقق التواتر معروف في أصول الفقه. والخلاف في أن العلم الحاصل عن خبر التواتر هل هو حاصل بضرورة واضطرار إليه، أو هو نظري واكتساب؟
نُقِلَ عن جمهور الفقهاء والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة أنه ضروري، وعن الكعبي وأبي الحسين أنه نظري، وقال أبو حامد الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه، وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل من غير واسطة. وغرضه أنه ليس من الضروريات [الأولية] التي لا يحتاج في دركها إلى واسطة وإلى ترتيب مقدمات أصلا؛ بل لا بد فيه من مقدمتين موجودتين في النفس».
(1) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 89. وقارنه بنشرة واعظ جرندابي ـ ص 65، 66. وقد أفدت بالجمع بينهما في ضبط النص على هذا النحو.