فهرس الكتاب
وهذا القدر وإن كنا لا نجد ما يماثله بهذه الكثرة عند متكلمي الاثنا عشرية خلال القرن الخامس الهجري؛ فإنهم رووا في كتبهم عن المتقدمين من متكلمي الإمامية الاحتجاج على الملحدين في إثبات ما ينكرونه من وجود الصانع المدبر لما نشاهده من العالم، كما مر في كلام الشيخ المفيد. و كان الصدوق القمي شيخ المفيد المباشر يقول بما يقارب ما قال به الشريف أبو علي محمد الهاشمي؛ حيث قال: «سمعت بعض أهل الكلام يقول: لو أن رجلا ولد في فلاة من الأرض، ولم ير أحدًا يهديه ويرشده؛ حتى كبر وعقل ونظر في السماء والأرض؛ لدله ذلك على أن لهما صانعا ومحدثا. فقلت: إن هذا شيء لم يكن، وهو إخبار بما لم يكن لو كان كيف يكون. ولو كان ذلك لكان لا يكون إلا إذا كان ذلك الرجل حجة الله ــ تعالى ــ على نفسه، كما في الأنبياء ــ عليهم السلام ــ منهم من بعث إلى نفسه، ومنهم من بعث إلى أهله وولده، ومنهم من بعث إلى أهل محلته» [1] . وقريب منه ما ذهب إليه المفيد نفسه من أن العقل لا ينفك عن سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال، وأنه لا بد في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول، وأنه في ذلك على خلاف المعتزلة والخوارج والزيدية الذين زعموا أن العقول تعمل بمجردها بمعزل عن السمع [2] .
(1) - الشيخ الصدوق: التوحيد ـ ص 211. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 104.
(2) - انظر المفيد: أوائل المقالات ـ ص 44.