الصفحة 551 من 1224

* واشتمل كلام الفقيه الشافعي الأشعري أبي سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي النيسابوري (تـ478هـ) عن حدوث العالم على وجهين: أولهما: إثبات حدوث الجواهر والأجسام بحدوث ما لا تخلو منه ولا تسبقه من الأعراض. والثاني: إثبات استحالة وجود حوادث لا أول لها؛ فذكر في هذا الوجه مثل كلام معاصره إمام الحرمين الجويني الذي جعل ذلك أحد أصول دلالة الجواهر والأعراض في دفع ما يعترض به الدهرية. وهو كلام قريب جدا مما فصلته في كلام أبي الفتح الكراجكي [1] .

وقد مثل الجويني أيضا لقول من يثبت حوادث لا أول لها بقول القائل: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا، ولا أعطيك دينارا إلا وأعطيك قبله درهما. وقال: «فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه درهما ولا دينارا» . وذلك لأن القائل هنا علق فعل إعطاء الدرهم أو الدينار الأخير على ما سبقه، وما سبقه فرد في سلسلة لا أول لها، وما دام هذا الأول لا يكون أبدا؛ فالدرهم أو الدينار الأخير لن يوجد أبدا. وهذا هو ما يعبر عنه بأن ما تعلق وجوده بوجود ما لا يتناهى لا يوجد أبدا. ومثل الجويني أيضا لقول من يثبت تسلسل الحوادث بلا نهاية في المستقبل بمسألة الدينار والدرهم هذه: لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك بعده درهما، ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا. وقال: «فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط» . وذلك لأن هذا القائل علق إعطاء الدرهم أو الدينار الأول الموجود بالفعل في يده على الثاني بعده، والثاني على الثالث بعده، وهكذا يتصور منه دوام العطاء ما دام موجودا، يعطي درهما بعد درهم، ويدخل دارا بعد دار، وهكذا.

(1) - راجع أبا سعيد النيسابوري: الغنية في أصول الدين ـ 56: 64. والجويني: الإرشاد ـ ص 25: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت