الصفحة 552 من 1224

* وقد نقل القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (تـ792هـ) في «شرح الطحاوية» مثالي الجويني من الإرشاد، ثم علق عليه قائلا: «وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة؛ بل الموازنة الصحيحة أن نقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما. فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل. وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله. فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله، فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل. أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض؛ فإن هذا ممكن. والعطاء المستقبل إيتاؤه من المعطي. والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له؛ فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع» [1] .

وهذا فهم عجيب!! ولقد تركت صيغة الجويني، وقبلتُ صيغة ابنِ أبي العز أو مَنْ نقَلَ عنه، وبغض النظر عن مناقشة ما شغب به بعد ذلك؛ فمن قال لي: ما أعطيتُك درهما إلا وأعطيتُك قبله درهما. كاذبٌ في خبره، ومُفتَرٍ في قوله، ما أعطاني شيئا من الدراهم التي زعم قط؛ ما دام إعطاؤه الدرهم اللاحق من هذه الدراهم المزعومة متعلقا بماضيات لا أوَّل لها؛ حتى يكون ذلك الدرهم الأوَّل الذي نبدأ به عَدَّ ما بعدَه من عطاء. وأما من يقول لي: لا أعطيكَ درهما إلا وأعطيكَ بعده درهما. فوفقه الله ــ تعالى ــ إلى الصدق فيما قال.

* أما أبو حامد الغزالي الذي غلبت عليه نزعة التعليم، ثم التربية الصوفية بعد ذلك؛ فنجده يعتمد على هذه الطرق جميعا؛ لكنه يقسمها على مراتب المخاطبين، وإن شئت فقل: المتعلمين، أو السالكين المريدين [2] .

(1) - القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (تـ792هـ) : شرح الطحاوية ـ 69، 70.

(2) - راجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 90، 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت