فهرس الكتاب
* لكن في كلام الأشعرية عن تخصيص الممكن بزمانه بعد الباقلاني التباس ما كان أحراهم أن ينزهوا كلامهم عنه؛ ليخلص لهم كلامهم عن نفي تسلسل الحوادث بلا أول. فقد كان الباقلاني بعد الفراغ من دلالة الجواهر والأعراض على حدوث العالم يجري الكلام في إثبات وجود الصانع المحدث للعالم على وجهين: أولهما: أن كل حادث لا بد له من محدث مصور، كالكتابة لا بد لها من كاتب، والبناء لا بد له من بان. والثاني: أن الناظر في الحوادث المتعاقبة في الزمان يعلم أن كل حادث مختص بوقت في حدوثه، ولا يمكن أن يكون مختصا بذلك الوقت لنفسه وإلا وجب أن يشاركه في ذلك كل جنسه؛ فوجب أن يكون له مخصص سواه. وإلى نحو هذا ذهب البغدادي [1] .
فلما أن جاء إمام الحرمين الجويني استعمل هذه الدلالة في جملة العالم لا في الحوادث المتعاقبة فيما نشاهده وندركه بالحواس؛ فتراه يقول: «إذا ثبت حدث العالم، وتبين أنه مفتتح الوجود؛ فالحادث جائز وجوده وانتفاؤه، وكل وقت صادفه وقوعه كان من المجوزات تقدمه عليه بأوقات، ومن الممكنات استئخار وجوده عن وقته بساعات. فإذا وقع الوجود الجائز بدلا عن استمرار العدم المجوز؛ قضت العقول ببداهتها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع» [2] .
(1) - راجع الباقلاني: التمهيد ـ ص 45. والبغدادي: أصول الدين ـ 69.
(2) 1- الجويني: الإرشاد ـ ص 28. وحذا حذوه في ذلك معاصره أبو سعيد النيسابوري في الغنية ـ ص 64، 65.