فهرس الكتاب
وأبو حامد الغزالي في كلامه عن صفة الإرادة حصر المذاهب في حدوث العالم في أربعة أقوال: أولها: أن العالم حصل لذاته ــ سبحانه ــ وليس لذاته صفة زائدة عليها، وهؤلاء قائلون بقدم العالم. والثاني: أن العالم حادث في الوقت الذي حدث فيه لا قبله ولا بعده، بإرادة حادثة لا في محل، وهؤلاء هم المعتزلة. والثالث: أنه حدث في وقته بإرادة حادثة في ذاته ــ تعالى. وهؤلاء المعتقدون كونه ــ تعالى ــ محلا للحوادث من الكرامية وغيرهم. والرابع: أنه حدث في الوقت الذي تعلقت فيه الإرادة القديمة بحدوثه من غير حدوث إرادة ولا تغير صفة في القديم. وهذا هو قول أبي حامد الذي يحكيه مذهبا لأهل الحق [1] .
وفي رأيي أن الكلام عن تقدير زمان لحدوث العالم باطل؛ لأن الزمان من جملة العالم، وكان الأحرى بالجويني أن يقصر كلامه في دلالة التخصيص على ما ذكره الباقلاني والبغدادي في حدوث المدركات المتعاقبة، أو على جواز كون العالم على غير ما هو عليه من الأشكال والصور [2] . وكان الأحرى بأبي حامد الغزالي أن يقصر بيانه لتعلق صفة الإرادة بحدوث العالم، وبيان التخصيص الذي أفادته، على أن الإرادة القديمة خصت العالم الحادث بأحد الوجهين الجائزين في الممكن، أعني الوجود بعد العدم فقط؛ فإن الكلام عن تقدير أزمنة سابقة لوجود جملة العالم هو أصل مادة الشغب التي يتمسك بها القائلون بتسلسل الحوادث بلا أول ..
وهكذا نجد في هذا الفصل أن الاثنا عشرية من متكلمي القرن الخامس، لم يستقلوا بشيء لا نجده عند أهل السنة.
الفصل الثاني
إثبات الصفات الإلهية الإيجابية
1 ــ بيان الموقف الاثنا عشري:
(1) 2- انظر الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ـ ص 53.
(2) 3- وقد ذكرت في بحث الماجستير ما اعترض به الدكتور محمود قاسم ـ رحمه الله ـ على دلالة الإمكان من هذا الوجه، وبينت دفع اعتراضه؛ فراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 91، 92.