الصفحة 555 من 1224

يَجْمُلُ بنا في تتبع بناء الفكر الكلامي الاثنا عشري بعد معرفة إثبات وجود ذات الإله الصانع المحدث للعالَم، وقبل الكلام عن طرق معرفة الصفات التي تحمل عليه، وترتيب تحصيل المعرفة بها، أن نُبيِّنَ أوَّلا تحديد القوم لمفهوم الصفة وأقسامها.

* يرى الشيخ المفيد أن الصفة في الحقيقة: ما أنبأ عن معنى مستفاد يخص الموصوف وما شاركه فيه، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون قولا أو كتابة تدل على ما يدل النطق عليه. وذكر المفيد أنَّ هذا مذهبُ أهل التوحيد لم يخالف فيه إلا جماعة من المشبهة، ثم قال: «إن وصف الباري ــ تعالى ــ بأنه حي عالم قادر يفيد معانيَ معقولاتٍ، ليست هي الذاتَ، ولا أشياءَ تقومُ بها كما يذهب إليه جميع أصحاب الصفات، ولا أحوالا مُختلفاتٍ على الذات، كما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي، وقد خالف فيه جميعَ الموحدين. وقولي في المعنى المُرَادُ به: المَعقُولُ في الخطاب دون الأعيان الموجودات. وهذا مذهب جميع الموحدين، وخالف فيه المشبهةُ وأبو هاشم» [1] .

* ولقد عبَّر عن ذلك وبيَّنَهُ تلميذُه وتابعه الأمين أبو الفتح الكراجكي، حينما أراد أن يفرق بين الاسم والصفة بوجه عام؛ فقال: «الاسم في الحقيقة ما دلَّ على المُسَمَّى، والصفة ما دلَّ على معنى في المُسَمَّى. وفي هذا اللفظ تَجَوُّزٌ لأنها [2] تعطي الظرفية والحلول، وربما كان الموصوف غير ظرف ولا محل. وأقربُ من هذا أن يقال: إن الصفة ما أفادت أمرا يكون الموصوف عليه. وإنما افتقر المتكلم إلى استعمال هذه الألفاظ لضيق العبارات عن استيفاء المعاني؛ فإذا فهم من اللفظ الغرض جاز استعماله.

(1) - الشيخ المفيد: أوائل المقالات ـ ص 55، 56.

(2) - أي: العبارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت