فهرس الكتاب
وإذا كان الكلام هنا عن مفهوم الصفة الإلهية؛ فالذي يخلص من ذلك كله أنها عند القوم قولٌ يدل على خصوصية أو معنى معقول له أثر محدد في تصور الذهن لتحقق الإلهية. وهذا المعنى المعقول حينما نثبته بدليله نتصور من خلال معرفتنا به وجودَ الذات الإلهية المتعالي كُنْهُهَا عن الإدراك والإحاطة، ونعرف من خلاله تحقُّقَها في نفسها، وآثارَها في الخلق .. أي أن صفات الله ــ تعالى ــ ليست دالة على معان مستقلة في وجودها أو في مفهومها عن تصورنا للذات الإلهية الواحدة، وهي في ذلك على خلاف صفات المُحدَثينَ التي يكون فيها ما هو أحكام موجبة عن وجود معانٍ مُحدَثة هي أعراض يمكن أن تتبدل بأضدادها .. إن صفات الذات الإلهية دالة على خصوصيات معقولة، ووجوهٍ لمعرفة الذات الإلهية الواحدة وتعليلِ آثارها في الوجود. وهذه الخصوصيات لا تنفك عن الذات العلية التي لم تزل مختصة بها، ومن ثم لم يَحتج العقل في تعليل وجودها ــ عند القوم ــ إلى وجود معان زائدة على الذات العلية التي لم تزل مختصة بها، ولذلك يقول الشريف المرتضى: «الصفة كُلُّ أمر زائد على الذات يدخل في ضمن العلم به، أو الخبر عنه نفيا كان أو إثباتا ..., وقيل: الصفة كل فائدة تضاف إلى الذات بلا اعتبار غيره، والحكم فائدة تضاف إلى الذات، ولا يوصف بها إلا عند حدوث فعل منه، أو نفي فعل منه» [1] .
أما الصفة الفعلية فهي دالة على الخصوصية التي تستحقها الذات لما صدر عنها من الأفعال أو الآثار، وهي معللة عند القوم ــ كما سيأتي بيانه ــ بظهور هذه الآثار المحدثة عن الذات الإلهية، ومن ثم اختلف حكم استحقاقها عن الصفات اللازمة للذات.
(1) - المرتضى ـ رسائل ـ 2/ 275. على أنه قد ذكر في رسالة «الحدود والحقائق» أيضا ـ ص 268 بيان معنى الحكم عند المتكلمين على وجه آخر، فقال: «الحكم: كل أمر زائد على الذات يدخل ضمن العلم بالذات، أو الخبر عنها. وقيل: الحكم ما يوجبه العلة» .