فهرس الكتاب
وفي بيان أسباب تحصيل العلم بالله ــ تعالى ــ وما يحتج به في إثباته قال المفيد: «إن العلم بالله ــ عزَّ وجلَّ ــ وأنبيائه ــ عليهم السلام ــ وبصحة دينه الذي ارتضاه، وكل شيء لا يدرك حقيقته بالحواس، ولا تكون المعرفة به قائمة في [البَدَايه] ، وإنما يحصل بضرب من القياس، لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار، ولا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة الاكتساب، كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس، ولا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في [البَدَايه] من جهة القياس» [1] . وقد نقلت من قبل قوله: «اتفقت الإمامية على أن العقل مُحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفك عن سَمْعٍ يُنَبِّهُ الغافِلَ على كيفية الاستدلال، وأنه لا بُدَّ في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول» [2] .
(1) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 88. وما بين المعقوفتين في المطبوع [البداية] ، وقد يكون ذلك صحيحا إذا كان المقصود أوليات العقل البدهية. وجملة هذا الكلام موافقة لما قال به أبو القاسم البلخي المعتزلي البغدادي من أن ما يعرف ضرورة لا يعرف إلا ضرورة، وما يعرف استدلالا لا يعرف إلا استدلالا .. راجع بيان ذلك ونقده عند القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 57: 60. وقد نسب البغدادي ذلك أيضا (في أصول الدين ـ ص 16) إلى إبراهيم النظام وأتباعه من القدرية، وألزمه القول بأن معرفة الله في الآخرة نظرية استدلالية، وأن الجنة بذلك تكون دار استدلال ونظر يكلف به أهلها، ويستحقون عليه الثواب والعقاب في دار غيرها، وليس ذلك بلازم له لو قال بأن معرفتهم في الجنة كمعرفة المستيقظ من النوم في قول من قال بتذكر الاستدلال الأول.
(2) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 44.