الصفحة 561 من 1224

وليس الأمر كما زعم يقينا؛ لأن المرجع في ثبوت الصفة ــ عند القوم كما أفهم كلامهم ــ إلى الدليل العقلي الذي يُتَوَصَّلُ به إلى إدراك الصفة المخصوصة التي تكون عليها الذات العلية، فليست الصفة الإلهية من حيث ما تدل عليه وتشير إليه من ابتكار العقل واختراعه، وهم يقولون بأن الله ــ تعالى ــ لم يزل قادرا عالما حيا موجودا ...؛ ولكن العقل يسعى بالدليل إلى معرفة الذات على هذه الخصوصيات أو الصفات. ومن ثم فإنه لا سبيل عند القوم لإثبات صفات الله ــ تعالى ــ غير المدرك بالحواس إلا العقل، الذي يَتَوَصَّلُ إلى إدراك هذه المعاني بدلائله .. وأزيد الأمر بيانا فأقول: معنى أن الله ــ تعالى ــ قادر: أنه يصح منه الفعل. ومعنى أنه عالم: أنه يصح منه الفعل المحكم. فهذا المعنى المعقول كون الذات العلية عليه لا سبيل إلى الحكم بثبوته من المُكَلَّفِ ــ عند القوم ــ إلا بدليل عقلي قاطع.

وهذا شيء غير إطلاق الكلمات التي تُعبِّرُ عن هذه المعاني المعقولة [1] ، أي الثابت حكم المعرفة بكون الموصوف عليها من طريق العقل؛ فإنَّ الكلمةَ أو الوصفَ المُعَبَّرَ به قولا أو كتابة دالَّةً على ما يدل النطق عليه ــ على حد تعبير الشيخ المفيد ــ إنما يدل على مجرد الذات الموصوفة مع اعتبار الخصوصية المعلومة عقلا بالتواضع على اللغات، ومن ثم يتعدد الوصف وتتعدد الصفات للذات الإلهية الواحدة بتعدد تلك الوجوه والاعتبارات التي ندركها بدلائل النظر في الأفعال الإلهية، كما سيتضح لنا فيما بعد.

(1) - وهذا الإطلاق سيأتي بيان الاختلاف في حكمه بين الذهاب إلى التوقف على السمع الشرعي، والاكتفاء بما ينقل عن أهل اللغة في الدلالة على ما عقل من هذه المعاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت