الصفحة 562 من 1224

والقوم يفصلون بين الكلمات مقولةً أو مكتوبةً، وبين ما تعبر عنه. ومن ثم كانت الكلمات قابلة عندهم للتأويل، والدلالة على أكثر من معنى، بخلاف ما تدل عليه العقول بالبراهين لتعلقها بتصور المدلول المبرهن عليه على ما هو عليه في نفس الأمر، بغض النظر عما يُتواضع عليه من كلمات مختلفة تشير إلى ذلك المعنى المعقول بين المتخاطبين على اختلاف اللغات.

ولهذا قال الشريف المرتضى: «الأدلة العقلية تقضي على الكلام، ولا يقضي الكلام على الأدلة» [1] . وهو يفسر ذلك بأن الكلام فيه حقيقة ومجاز، ويعدل المتكلم به عن ظاهره للتعبير عن ما يريده من أغراض ومعان بحسب تواضع أهل اللغات، وما يختص بهم من طرق الدلالة على المعاني؛ على حين أن أدلة العقول لا يصح ذلك فيها، وهي قاسم مشترك بين كل العقلاء مهما اختلفت لغاتهم [2] .

والشيخ المفيد يرى أن هذه الصفات من حيث هي كلام وقول أو كتابة تدل على ما يدل النطق عليه، ومن حيث هي دالة على المعاني المعقولة ووجوه معرفة الذات بالتواضع ــ هي في الحقيقة غير الذات الموصوفة بها .. قال المفيد: «وهذا مذهب يشترك فيه الشيعة والمعتزلة جميعا، ويخالفهم في معناه العامَّةُ والمجبرة من أهل التشبيه» [3] . وقد صرَّح المفيدُ نفسُه في هذا الموضع أيضا برأيه في أنَّ الاسم غير المُسَمَّى. والارتباط بين الرأيين مصدره النظر إلى أصل اللغة، وإلى العلاقة بينها وبين المعاني التي تعبر عنها. وهذا كله ليس ببعيد عن فهم المتكلمين للوحدة الإلهية، وبحثهم لقضية الكلام الإلهي وقدم القرآن أو حدوثه.

(1) - المرتضى: أمالي المرتضى (التكملة) ـ 2/ 300.

(2) - راجع السابق ـ 2/ 399.

(3) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت