الصفحة 564 من 1224

ولقد كان المذكور في كتب الأشعرية والماتريدية القديمة عن المعتزلة أن الصفات عندهم مجرد أقوال، وبنوا على ذلك القول باعتقاد المعتزلة أن ليس لله ــ تعالى ــ صفة قبل وجود الخلق. وكنا نحمل ذلك على الإلزامات الشكلية في المناظرة مع الخصوم، ونتجنب الخلط في فهم المذاهب بين حقيقة الأقوال وما يجري بين الخصوم من إلزامات أكثرها شكلي، وقد يلتزم أهل المناظرة بعض الإلزامات على فسادها حين تضيق عليهم وجوه الكلام. ويضاف إلى ذلك أن أكثر المتكلمين القدامى كانوا ينقلون مذاهب خصومهم ثم يحاكمونها وفق اصطلاحاتهم لا وفق اصطلاحات الخصوم. وعلى هذا سبق أن أنكرتُ على الشهرستاني حكايته لمذهب واصل بن عطاء المعتزلي حينما نسب إليه أنه قال: «ومن أثبت معنى وصفة قديمة؛ فقد أثبت إلهين قديمين» [1] . وهذه الحكاية صاغها الشهرستاني وفق الاصطلاح الأشعري، وهي تفيد في ظاهر معناها أن واصلا كان يقول بحدوث الصفات الإلهية؛ إذ لم يثبتها قديمة. والحق أن المعتزلة مجمعون على أن الله ــ تعالى ــ لم يزل عالما قادرا حيا، وهذه هي الصفات في اصطلاحهم، أو ما يعبر به عن صفات الله في الحقيقة، وهم مع الاثنا عشرية والزيدية لا يعللون هذه الصفات بوجود معان قديمة قائمة بالله ــ تعالى ــ على ما يقول به الأشعرية، ويطلقون عليه اسم الصفات في اصطلاحهم [2] .

ثم جاء ذلك المستشرق الأمريكي فزعم فوق ذلك أن الصفات عند الشيخ المفيد تشير إلى معان معقولة لا وجود لها إلا في ذهن الواصف؛ على حين أن المقصود بالمعاني المعقولة هو أنها مدركة من جهة العقل، ومثبتة بأدلته، لا أنها موجودة فيه دون أن تكون لها حقيقة مضمنة في وجود الموصوف بالفعل خارج الذهن.

(1) - الشهرستاني: الملل والنحل ـ 1/ 51.

(2) - راجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت