الصفحة 582 من 1224

* وهكذا نلاحظ أن الشيخ المفيد لم يلجأ إلى دليل نقلي من الكتاب أو السنة أو كلام الإمام الحجة في بيان ثبوت صفة من الصفات السابقة، ولقائل أن يقول: إنه اهتدى بتنبيههم جميعا على دلالة العَالَمِ المَخْلُوقِ المُحدَثِ علَى خالقِه وصِفَاتِه؛ لكنَّ الغَالِبَ عَلَى ظَنِّي أنَّه اختار هذا المنهج لمؤلّفه «النكت في مقدمات الأصول» ، وهو مبني على تصور محاورة عقلية مع خَصمٍ أو مُستَفهِمٍ عن الدلائل العقلية لأصول العقيدة [1] ، على حين نجده متمسكا بالأدلة النقلية فيما عرض له من المسائل في كتابه: «أوائل المقالات» ؛ ففي بيان حقيقة علم الله ــ تعالى ــ بالأشياء قبل كونها يقول: «إنَّ الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه، وإنه لا حادث إلا وقد علمه قبل حدوثه، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوما إلا وهو عالم بحقيقته، وإنه سبحانه لا يخفى عليه شي ء في الأرض ولا في السماء. وبهذا قضت دلائل العقول والكتاب المسطور والأخبار المتواترة عن آل الرسول ــ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وهو مذهب جميع الإمامية. ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام ابن الحكم في خلافه» [2] .

وأحيانا يذكر أن معرفة ثبوت بعض الصفات من جهة الأدلة النقلية فقط دون القياس ودلائل العقول؛ لكنه يقول ذلك عن الصفات التي لا يقبل عقله إثبات معانيها الظاهرة في موارد النصوص الشرعية، مما يعمل على تأويله وصرفه عن ظاهر معناه بدلالة نقلية أو عقلية.

(1) - وإني لأشبه منهج نكت الشيخ المفيد بمنهج كتاب «اللمع» للإمام أبي الحسن الأشعري، حينما نفرق بينه وبين كتاب الإبانة ورسالة أهل الثغر.

(2) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 54، 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت