الصفحة 586 من 1224

* ويقول الشيخ المفيد في وصف الله ــ تعالى ــ بأنه مريد: «إن الله ــ تعالى ــ مريد من جهة السمع والاتباع والتسليم على حسب ما جاء في القرآن، ولا أوجب ذلك من جهة العقول. وأقول: إنَّ إرادةَ الله ــ تعالى ــ لأفعاله هي نفسُ أفعاله، وإرادته لأفعال خلقِه أمرُه بالأفعال. وبهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد ــ عليهم السلام ــ وهو مذهب سائر الإمامية إلا من شَذَّ منها عن قرب وفارق ما كان عليه الأسلاف» [1] .

وفي «المسائل العكبرية» سأله الحاجب أبو الليث بن سراج عن قوله ــ تعالى ــ: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } الأحزاب/ 33. فقال الشيخ المفيد في جوابه: «إن الخبر عن إرادة الله ــ تعالى ــ إذهاب الرجس عن أهل البيت ــ عليهم السلام ــ وتطهيرهم لا يفيد إرادةَ عزيمةٍ، أو ضميرًا، أو قصدا ــ على ما يظنه جماعة ضلوا عن السبيل في معنى إرادة الله عز اسمه ــ وإنما يفيد إيقاع الفعل الذى يُذهب الرجس، وهو العصمة في الدين، أو التوفيق للطاعة التي يقرب العبد بها من رب العالمين» [2] .

وقد نقل عنه تلميذه الكراجكي ما يُبَيِّنُ التَّوْجيهَ العَقليَّ والأسَاسَ النقليَّ لهذا المذهب؛ فذكر أنه قال: «الإرادة من الله ــ جل اسمه ــ نفس الفعل، ومن الخلق الضمير وأشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة والنقص. وذاك أن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلا بقلب، كما لا تكون الشهوة والمحبة إلا لذي قلب، ولا تصح النية والضمير والعزم إلا على ذي خاطر يُصوِّر معها الفعل الذي تغلب الإرادة له والنية فيه والعزم عليه.

(1) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 53. وقوله: إلا من شذ منها عن قرب. الإشارة فيه إلى شيخه الصدوق.

(2) - المفيد: المسائل العكبرية ـ ص 26، 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت