الصفحة 590 من 1224

ووجودها لا في محلّ غير معقول، وإثبات ما ليس بمعقول يؤدي إلى الجهالات [1] ، فثبت أنه مريد مجازا لا حقيقة، فتأمل ذلك» [2] .

(1) - راجع الكراجكي: كنز الفوائد ـ 1/ 80.؛ حيث يوضح ذلك، ويدفع ما يمكن أن يرد على توضيحه من اعتراض قائلا: «ولو جاز أن توجد إرادة لا في مريد بها ولا في غيره؛ لجاز أن توجد حركة لا في متحرك بها ولا في غيره. فإن قيل: إن الحركة هيئة للجسم، وليس يجوز أن تكون هيئة غير حالة فيه. قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟ فإن قيل: لأن تغيير هيئة الجسم مدرك بالحاسة؛ فوجب أن يكون المعنى الذي يتغير به حالا فيه. قلنا: وكذلك المريد للشي ء، بعد أن لم يكن مريدا له، قد يتغير عليه حس نفسه؛ فوجب أن تكون إرادته تحله. فإن قيل: بأي شي ء من الحواس تحس الإرادة؟ قلنا: وبأي شي ء يحس الصداع؟ فإن قيل: إن الإنسان يدرك ألم الصداع في موضعه ضرورة. قلنا: فلم نركم أشرتم إلى حاسة بعينها أدركه بها! ولنا أن نقول: وكذلك المريد في الحقيقة يعلم بتغير حسه ويدرك ذلك من نفسه ضرورة» .

(2) - المفيد: مسألة في الإرادة ـ ص 7، 8 (ضمن المجلد العاشر من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) . وهذا وما سبقه من كلام المفيد عن الإرادة يؤكد بطلان نسبة رسالة «النكت الاعتقادية» إلى الشيخ المفيد، وقد جاء فيها خلاف هذا المذهب؛ لأن مؤلفها يثبت أن الله ـ تعالى ـ مريد وكاره على غير الوجه الذي ذهب إليه الشيخ المفيد في سائر كتبه الثابتة، ويذكر أن إرادته لأفعال نفسه هي علمه الموجب لوجود الفعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مصلحة داعية إلى إيجاد الفعل في ذلك الوقت دون غيره، وإرادته لأفعال عبيده عبارة عن طلبه إيقاعها منهم على وجه الاختيار. وكذلك القول في كراهته لأفعال نفسه هي علمه الموجب لترك فعل في وقت دون وقت بسبب اشتماله على مفسدة صارفة عن إيجاد الفعل في ذلك الوقت، وكراهته لأفعال عبيده عبارة عن نهيه إياهم عن إيقاعها على وجه الاختيار. (.انظر النكت الاعتقادية ضمن المجلد العاشر من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ـ ص 25)

وهذا المذهب ليس خلاف مذهب المفيد والكراجكي في الإرادة فحسب؛ بل هو خلاف مذهب المرتضى والطوسي والحلبي الذي سيأتي بيانه في هذا المبحث. وهو مذهب (تلميذ القاضي عبد الجبار) أبي الحسين محمد بن علي البصري (تـ446هـ) ، ولا نعرف أحدا اختاره من متكلمي الاثنا عشرية في القرن الخامس، وهو اختيار المُحقِّق نصير الدين الطوسي (تـ672هـ) وتابعه عليه تلميذه العلامة أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (تـ726هـ) ، كما في كتابه «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد» ـ ص 401، 402. وهذا يرجح نسبة «النكت الاعتقادية» إلى فخر المحققين ابن العلامة الحلي كما ذكرت في المقدمة. وبناء على هذا استبعدت رسالة «النكت الاعتقادية» ولم أعتمد عليها في تمثيل فكر المفيد ولا الفترة التي نعنى بدراستها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت