الصفحة 591 من 1224

والكراجكي لم يتجاوز حد التفصيل والبيان لكلام شيخه المفيد في منع كون الله مريدا لنفسه، أو بإرادة قديمة، أو بإرادة حادثة فيه، أو في غيره، أو حادثة لا فيه ولا في غيره؛ لكنه خرج عن عادته وزاد على المفيد في بيان المعنى المجازي لإطلاق المريد في حق الله؛ فقد ذهب المفيد إلى أنَّ إرادةَ اللهِ ــ تعالى ــ لفعله هي إحداثه، وإرادته لفعل غيره هي أمره [1] وذهب الكراجكي إلى أنَّ معنى إطلاقنا أن الله مريد لأفعاله: أنه ــ تعالى ــ تقع أفعاله وهو عالم بها، وأنه يفعل لا من سهو، ولا غفلة، ولا بإيجابٍ من غيره [2] .

(1) - وهذا هو مذهب جمهور البغداديين وأبي القاسم الكعبي البلخي خاصة كما سبق أن نقلنا عن المفيد نفسه من أوائل المقالات ـ ص53. وحكى الشهرستاني في الملل والنحل ـ 1/ 57 أن هذا هو مذهب إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام، وعنه أخذه الكعبي. ومن قبل نسب القاضي عبد الجبار في المغني ـ 6 (2) ص 3، 4 إلى النظام أنه قال في إرادة الله ـ تعالى ـ: إنها فعله أو أمره أو حكمه؛ لأن الإرادة في اللغة إنما تكون ذلك، أو تكون ضميرا، أو قرب الشيء من الشيء كقوله ـ تعالى ـ: { جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ } الكهف/ 77. والضمير يستحيل على الله؛ فيجب أن تكون إرادته ما ذكرناه.

(2) - وهذا قريب من مذهب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في مُطلَقِ المريد، كما حكاه الشهرستاني في الملل والنحل ـ 1/ 72 قال: «إذا انتفى السهو عن الفاعل، وكان عالما بما يفعله؛ فهو المريد على التحقيق» . وذكر الشهرستاني أن الجاحظ رأى أنَّ الإرادةَ المتعلقة بفعل الغير هي ميلُ النفس إليه..والذي أفهمه من كلام الشهرستاني أن الجاحظ يقصد ما حكاه في معنى المريد لفعل نفسه من إطلاق المريد على الله ـ تعالى ـ وعلى العباد بلا فرق على وجه الحقيقة في اللغة، وهذا ما أكَّده من قبلُ القاضي عبد الجبار في المغني ـ 6 (2) / 5؛ على حين أن الكراجكي يراه المعنى المجازي في إرادة الله ـ تعالى ـ لفعله فقط دون إرادة العباد لأفعالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت