الصفحة 594 من 1224

وفي «جمل العلم والعمل» بعد فراغه من بيان إثبات أن الأجسامَ مُحدَثة، وأنَّ لها مُحدِثا صَانِعا يقول الشريف المرتضى: «ولا بُدَّ من كونه قادرا؛ لِتَعَذُّرِ الفعلِ على من لم يكن قادرا، وتَيَسُّرِهِ على من كان كذلك» . وَبَيَّنَ في شرحه ابتناء هذه الدلالة عقليا ولغويا على قياس الغائب على الشاهد؛ فالناظر يرى في الشاهد ذاتين مشتركتين في صفاتهما من كونهما جسمين وحيين وغير ذلك، ثم تختص إحداهما بصحة الفعل، والأخرى يتعذر عليها؛ فلا بد من أن تكون الذات التي صح منها الفعل قد اختصت بأمر ليس بحاصل لمن تعذر عليها الفعل، وبه كانت أولى بالفعل من الأخرى. وهو يرى أن أهل اللغة يسمون من كان على هذه المفارقة قادرا، وعلى هذا يصح أن يطلق في حق كل من يصح منه الفعل أنه قادر.

فإذا ثبت بعد ذلك بمُقتضَى العقلِ صِحَّةُ إحداثِ الصانع للعَالَمِ؛ أطلق عليه التسمية والوصف بكونه «قادرا» اتباعا لأهل اللغة. وقد صح فعل الأجسام من الله ــ تعالى ــ فوجب أن يكون قادرا؛ لأن طرق الأدلة لا تتخلف شاهدا وغائبا.

وإن اعترض من يقول: ما أنكرتم أن تكون الذات التي صح منها الفعل اختصت بطبيعة، أو صحة بنية دون ما تذهبون إليه؛ لأجلها صح الفعل؟ فجواب المرتضى أن الطبع غير معقول، وما لا يعقل لا يجب إثباته. ولو كان الطبع المُدَّعَى معقولا؛ لم يخلُ من أن يُوجبَ صفة للحي لأجلها يصح منه الفعل، أو لا يُوجبُ صفةً بل يختص بالمحل. والأول وِفاقٌ في المعنى وخِلافٌ في العبارة، وإلإشارة فيه إلى القدرة التي سميت طبعا، ولا مضايقة في العبارة. والثاني باطل؛ لأنَّ ما يختص بالمحل لا يجوزُ أن يوجبَ حكما للجملة، كما لا يجوز أن يوجب ما يختص بزيد حكما لعمرو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت