فهرس الكتاب
وللطوسي على ذلك جوابان أيضا: أولهما: أن الذي دلَّ على حاجة أفعالنا المُحدَثَةِ إلى مُحدِثٍ منا من حيث كانت مُحدَثَةً، دلَّ على حاجتها إلى من كان له صفة المختارين؛ فلا يجوز مع ثبوت ذلك أن تُعلَّقَ مع هذه الحاجة لمن له صفة المُوجبين؛ لأن ذلك نقض للعلة. ولو جاز ذلك؛ لجاز إثبات مُحدَثٍ وإن لم يكن له مُحدِثٌ؛ لأن مخالفة المُحدِث للمُحدِثين في صفة القادرين كمخالفة المُحدَث للمُحدَثين في نفس الحاجة، وهذا بَيِّنُ الفساد. وقال في «الاقتصاد» حينما رد الاعتراض نفسه: «فإسنادها إلى من ليس له صفة المختارين في البطلان، كبطلان إسنادها إلى غير مؤثر، وكلاهما فاسد» [1] .
والثاني: أن المؤثر في حدوث الأجسام لا يخلو من أن يكون قادرا مختارا، أو مُوجبًا هو علة أو سبب. فإن كان قادرا مختارا؛ فهو المطلوب. وإن كان موجبا هو علة أو سبب؛ فلا يخلوان من أن يكونا قديمين، أو محدثين. ولو كانا محدثين؛ لاحتاجا إلى علة أخرى أو سبب آخر، وهذا تسلسل محال يعني وجود ما لا نهاية له من العلل والأسباب. وإن كانا قديمين؛ وجب أن تكون الأجسام قديمة؛ لأن العلة توجب معلولها في الحال، والسبب يوجب المسبب إما في الحال أو في الوقت الثاني، وكلاهما يوجب قدم الأجسام، وقد دللنا على حدوثها؛ فبطل بذلك أن يكون صانع العالم موجبًا ولم يبق بعد ذلك إلا أن يكون مختارا له صفة القادرين [2] .
(1) - انظر الطوسي: الاقتصاد ـ ص 27. وقد تصرفت في تصحيح العبارة، وقارنه بما أثبته محقق تمهيد الأصول ـ ص 26.
(2) - انظر الطوسي: الاقتصاد ـ ص 27، 82. وقارنه أيضا بما أثبته محقق تمهيد الأصول ـ ص 26.