الصفحة 602 من 1224

أ ــ انتهى السيد المرتضى بنظر عقلي وتأسيس لغوي إلى أن محدث الأجسام قادر، ثم أخذ في إثبات كونه عالما بالمنهج نفسه فقال: «ولا بد من كون محدثها عالما؛ لأن الإحكام ظاهر في كثير من العَالَمِ، والمحكم لا يقع إلا من عَالِمٍ» . وهو في شرحه يكرر الاستدلال بقياس الغائب على الشاهد، فيقول: «قد علمنا في الشاهد ذاتين يصح من إحداهما الفعل المحكم المتقن؛ مثل: الكتابة الكثيرة، ونساجة الديباج، والصياغة، وبناء القصور، وغير ذلك. ويتعذر ذلك على الأخرى مع مشاركتها لها في جميع صفاتها من كونها موجودة حية قادرة. ومع هذا يتعذر عليها الفعل المحكم فلا بد من أن تختص الذات التي يصح منها الإحكام بأمر ليس بحاصل للأخرى؛ لأنه لو لم يكن هناك أمر لاشتركتا جميعا إما في صحة الإحكام أو في التعذر، وقد علمنا خلاف ذلك. فإذا ثبت أنه لا بد من أمر، ووجدنا أهل اللغة يسمون من كان على هذه المفارقة «عَالِمًا» ؛ أثبتنا المفارقة عقلا، وأطلقنا تسميته بالعالم بموجب اللغة.

فإذا ثبت أن في أفعال الله ــ تعالى ــ ما يزيد في الإحكام والإتقان على كل فعل محكم متقن مثل خلق السماوات والأرض، ومثل خلق الحيوانات على اختلاف أشكالها وطباعها وما ركب فيها من بدائع الحواس، وخلق الجنين في كل جنس منه ما يشاكله، وخلق الثمار في أوقاتها، وإيجاد كل نوع من جنسه من غير أن يختلف ذلك أو ينخرم؛ وجب أن يكون ــ تعالى ــ عالما» [1] .

(1) - المرتضى: شرح جمل العلم والعمل ـ ص 47، 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت